مع إعلان الجيش اللبناني انتهاء المرحلة الأولى من خطة حصر سلاح "حزب الله" في جنوب الليطاني، تتجه الأنظار نحو المرحلة الثانية شمال الليطاني. تأتي هذه التطورات في ظل أجواء إقليمية حساسة، مع قرب لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث يركز ترامب على تعزيز الاستقرار في لبنان ومتابعة المفاوضات عبر لجنة "الميكانيزم"، بينما يسعى نتنياهو لممارسة ضغوط عسكرية على إيران وحزب الله. في هذا الإطار، أَكَّدَ رَئيسُ الجُمهورِيَّة جوزاف عون أهمية التهدئة والحفاظ على الاستقرار، وسط تطمينات أميركية بعدم وجود مواجهة عسكرية على جدول الأعمال.
ويلاحظ تباين المواقف داخليًّا حول مهمة الجيش شمال الليطاني بين الرئيسين عون وسلام من جهة، ومسؤولي الحزب على رأسهم أمينه العام الشيخ نعيم قاسم من جهة أُخرى، ما يعكس تعقيد المرحلة المقبلة.
ويبقى السؤال: مع هذا التباين، ماذا ستكون انعكاسات مرحلة ما بعد رأس السنة على ملف حصر السلاح شمال الليطاني وهل ستنجح التطمينات الأميركية في لجم اندفاعة نتنياهو نحو الحرب؟
في هذا الإِطار، رأى الصحافي فادي بو دية أَنَّ هذا التباين لا يمكن توصيفه على أنه اختلاف في القراءات بقدر ما هو اختلاف في مقاربة المرحلة المقبلة وحدود الخيارات المتاحة أمام الدولة اللبنانية.
وأَوضَحَ عبر مِنصّة "بالعربي" أَنَّ جوهر المسألة لا يكمن في تعدد القراءات، بل في السؤال الأساسي المتعلق بالخطوات التي يَجِب على لبنان اتخاذها لكي يبقى قادرًا على الصمود وتحمل الضغوط المتصاعدة، خصوصًا الضغوط الأَميركية المتزايدة في ملف حصرية السلاح، مُشيرًا إلى أَنَّ اتفاق وقف إِطلاق النار الذي تَمّ التوصل إليه كان محصورًا جغرافِيًّا بجنوب الليطاني، وليس ابتداءً من جنوب الليطاني كما يحاول البعض تصويره، وهو اتفاق قام على مراحل واضحة، أبرزها انتشار الجيش اللبناني في تلك المنطقة وتسليم حزب الله سلاحه إلى الجيش اللبناني، على أن يتولى الجيش مسؤولية الانتشار، من دون أن تتحول المنطقة إلى منطقة منزوعة السلاح بالكامل.
وشَدَّدَ بو دية على أن هذا التفصيل أساسي، لأن لبنان لا يزال يواجه عدوًّا قائمًا اسمه إسرائيل، وهو عدو يحتل أراض لبنانية ولا يتوقف عن الاعتداءات اليومية، من توغلات برية إلى اعتداءات مباشرة على البلدات والسكان، لافِتًا إلى أن الدولة اللبنانية اختارت خيار المفاوضات غير المباشرة، من خلال إشراك عنصر مدني في الوفد المفاوض، على الرَّغمِ مِن تحفظ حزب الله على هذا الخيار واعتباره تنازلًا مجانِيًّا، في ظل غياب أي التزام إسرائيلي فعلي.
وتساءل: هل قال لنا أحد كيف ستنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة؟ هل قال لنا أحد كيف ستوقف اعتداءاتها اليومية على لبنان؟ وهل التزمت إسرائيل باتفاق وقف إِطلاق النار الذي نص صراحة على الانسحاب في خلال 60 يومًا ووقف العدوان على لبنان برًّا، بحرًا وجوًّا؟ وأجاب بأن إسرائيل لم تلتزم بأي بند من هذه البنود، في حين أن المقاومة التزمت التزامًا كامِلًا على مدى سنة وأكثر ولم تطلق رصاصة واحدة.
ورأى بو دية أن السؤال المطروح اليوم هو ما الجدوى من الانتقال بالبحث من جنوب الليطاني إلى شمال الليطاني، في ظل عدم التزام إسرائيل بأي شيء، بل في ظل غياب أي ضغط دولي حقيقي عليها. وقال إِنَّ الخطاب السائد لا يركز إِلَّا على مسألة السلاح، جنوب الليطاني وشماله، من دون أي حديث مواز عن التزامات إسرائيل، مُتَسائِلًا ما إذا كان أحد سمع مَوقِفًا أَمِيرِكِيًّا أو عربِيًّا واضِحًا يُطَالِبُ إسرائيل بالانسحاب، أو يعيد الأسرى أو يضع حَدًّا للاعتداءات، حتى يمكن عندها مطالبة المقاومة بتسليم سلاحها من دون أي ذريعة.
وأكد أَنَّهُ لا يناقش نتائج الحرب بقدر ما يناقش اتفاقًا رَعَتهُ الولايات المتحدة وفرنسا، وكانت نتيجته العملية حتى الآن استباحة يومية للأراضي اللبنانية، توغلات برية، احتلال نقاط جديدة ومزيدًا من الضغوط والمطالب. وطرح السؤال الجوهري: هل من الحكمة تقديم المزيد من التنازلات، أم الوقوف عند حد معين والقول إن لبنان بلغ السقف الذي يمكنه تحمله؟
وأشار بو دية إلى أن هذا بالضبط ما عبر عنه الشيخ نعيم قاسم، حين أَكَّدَ أن ما يتعلق بجنوب الليطاني شارف على الانتهاء، أن الجيش اللبناني التزم والمقاومة التزمت بكل درجات اتفاق وقف إِطلاق النار، على الرَّغمِ مِنَ الجراح والاعتداءات، لكن السؤال هو ماذا بعد؟ ولفت إلى أن أي رد للمقاومة في حال استمر العدوان قد يصور على أنه جر للبنان إلى الحرب، على الرَّغمِ مِن أن من حق المقاومة الطبيعي الرد بعد سنة كاملة من الانتظار والمراهنة على الدبلوماسية التي أرادتها الدولة والحكومة.
وسأل عَن حصيلة هذه الدبلوماسية وما الذي أنتجته فعلِيًّا، مُعتَبِرًا أَنَّ النتائج كانت سلبية، من توصيف لبنان بالدولة الفاشلة، إلى محاولات إلحاقه بسوريا وصولًا إلى استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية، من دون أي مكاسب حقيقية.
وعن الحديث المتكرر عن تطمينات أَميركية للبنان، قَال بو دية إِنَّ التعاطي مع هذه التطمينات يجب أن يكون بعقلانية وهدوء، سائِلًا عن مضمونها الفعلي، في وقت كانت الولايات المتحدة نفسها راعية لاتفاق وقف إِطلاق النار وفشلت في حماية هذا الاتفاق أو فرض آلياته، فيما تستمر إسرائيل يَومِيًّا في انتهاك السيادة اللبنانية بغطاء أَميركي كامل.
وقالَ إِنَّ قتل الأطفال وخطف ضباط في مؤسسات رسمية لبنانية، لا يمكن تبريره بأي منطق أمني، مُعتَبِرًا أَنَّ ما يُسَمَّى بالتطمينات الأَميركية ليس سوى أوهام ونفاق سياسي. وأَكَّدَ أَنَّ الولايات المتحدة تعتمد في سياستها مبدأ الخداع الدبلوماسي، حيث تفاوض لانتزاع التنازلات ثم تترك المجال لضربات مفاجئة تخدم مصالحها ومصالح إسرائيل.
وفي ما خص القمة المرتقبة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، رأى بو دية أن من الخطأ الاعتقاد بوجود تباين جوهري بين الطرفين حول ملف لبنان، لافِتًا إلى أَنَّ هذا الملف تتعاطى معه إسرائيل مباشرة، فيما تؤمن الولايات المتحدة الغطاء السياسي الكامل. وذكر بأن الضمانات الأَميركية السابقة، سواء في غزة أو في غيرها، لم تمنع استمرار الحروب والمجازر، على الاحتفالات والوعود التي أطلقت أمام العالم.
وختم بو دية بالتحذير من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيدا إضافيا يهدف إلى إخضاع لبنان أكثر، ضمن سياسة تبادل أدوار واضحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث ترفع واشنطن شعار التفاوض والعناوين الدبلوماسية الناعمة، فيما تمارس إسرائيل الضغط الميداني، ليصار لاحقا إلى مطالبة لبنان بتقديم تنازلات جديدة تحت ذريعة تخفيف هذا الضغط، وهو ما يحصل اليوم على الساحة اللبنانية بشكل واضح.

