في لبنان، لم تعد الفضائح استثناءً ولا حوادث عابرة، بل باتت جزءًا بنيويًا من مشهد سياسيٍّ مأزوم، تُعرّي تباعًا انهيار المعايير الأخلاقية قبل سقوط الدولة ماليًا واقتصاديًا.
من هنا، لا يمكن التعامل مع قضية "الأمير الوهمي أبو عمر" كعملية احتيال عادية، بل كقنبلة سياسية موقوتة تهدّد سمعة لبنان، وتضرب في الصميم علاقاته العربية، وعلى رأسها علاقته مع المملكة العربية السعودية.
بحسب ما يُتداول في الكواليس، تمكّن "أبو عمر" من اختراق عقول ومكاتب مسؤولين وسياسيين عبر ادِّعائه القرب من دوائر القرار في المملكة، مقدّمًا نفسه على أنّه مفتاح النفوذ وجسر العبور نحو الدعم السياسي والانتخابي. غير أنّ الأخطر لم يكن في الوعود وحدها، بل في الأسلوب: تسجيل مكالمات، توثيق طلبات وحفظ تفاصيل قد تتحوّل في أي لحظة إلى أداة ابتزاز سياسي وأخلاقي.
هذا السلوك لا يدلّ على احتيال ساذج، بل على عمل مدروس يستند إلى فهم عميق لهواجس السلطة، طموحات بعض السياسيين واستعدادهم للارتهان مقابل وهم القرب من الخارج.
مع توسّع دائرة الشبهات، بدأ سباق الوقت. شخصيات علِقت بمصداقية هذا "الأمير الوهمي" سارعت إلى البحث عن مخارج سياسية وإعلامية لطيّ الملف قبل أن ينفجر بالكامل. فالخطر لم يعد فرديًا، بل بات يهدّد مسارات انتخابية ويكشف سلوكيات سياسية محرِجة، وقد يفضح أسماء كانت تعتقد أنّها فوق المُسَاءلة.
التسريبات التي شهدتها الأيام الماضية، وما رافقها من نفي متسارع وعصبي من قبل مسؤولين وسياسيين، ليست تفصيلًا. بعض هذه النفيّات قد يكون صادقًا، إذ تشير معطيات إلى أنّ "أبو عمر" فشل في اختراق شخصيات ذات علاقات متينة ومباشرة مع المملكة، فلجأ إلى الحلقة الأضعف: من لا يملكون علاقة فعلية أو من يبحثون عن مدخل بأي ثمن. وفي المقابل، هناك من جُرّبت معهم المحاولة فرفضوها وأسقطوها من اللحظة الأولى.
السؤال الذي يخشاه الجميع هل تحرّك "أبو عمر" بمفرده؟ أم أنّه واجهة لشبكة أوسع، أو أداة استُخدمت أو نتيجة منظومة رخوة سمحت له بالتمدد؟
هذا السؤال هو بيت القصيد. فالمشكلة ليست في شخص واحد، بل في نظام سياسي سمح لشخصية وهمية بأن تتلاعب بمسؤولين وأن تبيعهم وهم القرب من دولة بحجم المملكة العربية السعودية، مقابل طموحات شخصية وصفقات نفوذ.
الفضيحة هنا لا تُقاس بعدد المتورّطين، بل بحجم الضرر. هذا الملف يسيء إلى لبنان قبل أي أحد آخر ويشوّه علاقته بدولة وقفت إلى جانبه في أحلك الظروف، ولم تبخل يومًا بدعم اللبنانيين. أي محاولة لتسوية الملف، أو لفلفته أو دفنه، ستُقرأ عربيًا ودوليًا على أنّها شراكة في الإساءة وتغطية على من استغلّ اسم المملكة لأغراضه الخاصة.
اليوم، القضاء اللبناني أمام امتحان مصيري: إمّا فتح الملف حتى نهايته وكشف كل الأدوار، كل المتورّطين وكل من سهّل أو سكت أو استفاد وإمّا تكريس منطق الإفلات من العقاب وضرب ما تبقّى من ثقة الناس بالدولة.
الأسابيع المقبلة قد تكشف أسماء تُحدث صدمة سياسية وأخلاقية. لكن الصدمة الأكبر ستكون إذا دُفِنَت الحقيقة مرّة جديدة. فقضية "الأمير الوهمي" ليست تفصيلًا إِعلاميًا، بل اختبار لهيبة الدولة ولمدى قدرتها على حماية اسم لبنان وصون علاقاته ومحاسبة من باعوا الكرامة الوطنية مقابل كرسي أو وهم نفوذ.