في ظلّ استمرار الضربات الإسرائيلية المتكرّرة على الجنوب اللبناني وغياب أي مؤشّر إلى تهدئة ميدانية حقيقية، تتصاعد المخاوف من مرحلة أكثر خطورة قد تُقبل عليها البلاد مع مطلع العام المقبل.
فالتصعيد القائم، وإن كان حتى الآن مضبوط الإيقاع نوعًا ما، لا يعكس نهاية مسار المواجهة، بل يشي بإدارة إسرائيلية محسوبة للنار، تُبقي لبنان تحت الضغط الدائم وتفتح الباب أمام احتمالات أكثر اتساعًا.
لا يشهد الجنوب اللبناني حالة هدوء، بل يتعرّض يوميًّا لسلسلة ضربات إسرائيلية متكرّرة، تطاول مناطق وقرى مختلفة، وتؤكّد أنّ إسرائيل تواصل تنفيذ سياسة عسكرية أحادية الجانب، من دون الدخول في مواجهة شاملة حتى الآن. هذا النمط من الاستهدافات لا يمكن قراءته كتصعيد عابر، بل كجزء من استراتيجية أوسع تقوم على استنزاف الساحة اللبنانية وتثبيت معادلات ردع جديدة بالقوة.
وتستند هذه المقاربة إلى قناعة إسرائيلية راسخة بضرورة ضرب أي سلاح أو بنية عسكرية يُنظر إليها على أنّها قد تشكّل خطرًا مباشرًا أو مستقبليًا على أمن المستوطنات الشمالية. وفي هذا الإطار، لا تُخفي تل أبيب تصميمها على مواصلة عملياتها طالما ترى أنّ التهديد قائم، غير آبهة بالتحذيرات الدولية أو بتداعيات هذه الضربات على الاستقرار اللبناني الهشّ.
ويُفهم استمرار الضربات الإسرائيلية، بوتيرتها الحالية، على أنّه سياسة ضغط متدرّج، تهدف إلى إبقاء لبنان في حالة استنزاف دائم، من دون الانزلاق فورًا إلى حرب واسعة. غير أنّ هذا الخيار لا ينفي احتمال الانتقال إلى مرحلة أكثر عنفًا في توقيت تختاره إسرائيل، خصوصًا إذا ما توافرت ظروف إقليمية ودولية تعتبرها مؤاتية.
في المقابل، تحاول الدولة اللبنانية إظهار تمسّكها بالمسار الدبلوماسي، وكان في هذا السياق تعيين السفير سيمون كرم على رأس الوفد اللبناني في لجنة "الميكانيزم". إلا أنّ هذه الخطوة، على أهميتها البروتوكولية، لا تُخفي واقع العجز السياسي عن معالجة جوهر الأزمة، وتبدو أقرب إلى محاولة لشراء الوقت وتخفيف الضغوط الخارجية، ريثما تتّضح معالم تسوية محتملة خارج الحدود.
غير أنّ الوقت الذي يُشترى دبلوماسيًا يُستنزف ميدانيًا. فالضربات الإسرائيلية المتكرّرة تُبقي الجنوب تحت نار مفتوحة، فيما تبقى الدولة عاجزة عن تقديم ضمانات فعلية تمنع انزلاق الأمور نحو مواجهة أوسع. ويزداد هذا العجز تعقيدًا في ظلّ استمرار السلاح خارج إطار الدولة، وما يفرضه ذلك من وقائع أمنية تتجاوز القرار الرسمي.
ويُضاف إلى ذلك أنّ "حزب الله" يواصل التمسّك بسلاحه، ما يضع لبنان في موقع شديد الهشاشة. غير أنّ الإشكالية الأعمق تكمن في أنّ القرار الاستراتيجي في هذا الملف لا يُدار من الداخل اللبناني فحسب، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحسابات إقليمية أوسع.
فالخيار النهائي مرتبط بالدور الإيراني في المنطقة، وبكيفية استخدام طهران لأوراقها الإقليمية في لحظة سياسية حسّاسة. وتُظهر الوقائع أنّ إيران تراهن على مسار تفاوضي محتمل مع الولايات المتحدة، وتسعى إلى استخدام نفوذها الإقليمي كورقة مقايضة، في إطار سعيها إلى انتزاع ضمانات تتعلّق بمستقبل النظام وتخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية المفروضة عليه.
وفي هذا السياق، يتحوّل لبنان إلى ساحة انتظار، فيما يُدار مصير أحد أخطر ملفاته خارج حدوده، وسط استمرار الضربات الإسرائيلية وتآكل القدرة الداخلية على المناورة.
بين ضربات إسرائيلية لم تتوقّف ودبلوماسية لبنانية عاجزة عن فرض حلول حقيقية، يقف لبنان مجددًا أمام سيناريو بالغ الخطورة. فالتصعيد القائم قد يبقى مضبوطًا لفترة، لكنه يحمل في طيّاته احتمال انتقال مفاجئ إلى مرحلة أشدّ عنفًا. ومع غياب القرار السيادي الواضح، يبقى البلد معلّقًا بين استنزاف مفتوح وضربة مؤجَّلة… يدفع ثمنها وحده.