منذ تعيين السفير سيمون كرم لترؤس الوفد اللبناني في لجنة "الميكانيزم" ومشاركته في جلستها الأولى، لوحِظ تراجعٌ ملموس في وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية جنوبًا، سواء على مستوى القصف المدفعي والجوي أو عمليات الاغتيال الميدانية التي كانت تستهدف عناصر من "حزب الله". وباستثناء الحزام الناري الذي نفّذته إسرائيل قبل أيام في منطقة إقليم التفّاح، مدّعيةً استهداف بنى تحتية تابعة لقوة الرضوان، بدا أنّ وتيرة الاستهدافات قد انخفضت بوضوح في الأيام الأخيرة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان هذا الهدوء نتاجًا للتقدّم المحقّق داخل لجنة "الميكانيزم"، أم أنّه مجرد هدنة ظرفية تسبق جولة جديدة من التصعيد.
في هذا السياق، شدّد الصحافي فارس خشان عبر منصة "بالعربي" على أنّه لا يرى أيّ تغيير جوهري في الوضع الأمني جنوب لبنان بعد انضمام السفير سيمون كرم إلى لجنة "الميكانيزم" وعقدها اجتماعها الأول، موضحًا أنّ ما سُجّل من تراجعٍ نسبي في العمليات العسكرية وفي وتيرة الاغتيالات لا يعكس تحوّلًا فعليًا في المقاربة الإسرائيلية، بل يرتبط بحالة الحذر القصوى التي تعتمدها المجموعات العسكرية والإنمائية المرتبطة بحزب الله، ولا سيما تلك المنخرطة في عمليات إعادة الإعمار ورفع الركام.
وأشار إلى أنّ إسرائيل تواصل النهج نفسه الذي اعتمدته خلال الأشهر الماضية، والدليل—بحسب قوله—استمرار استهداف مواقع تابعة لحزب الله تُصنّفها تل أبيب على أنّها مراكز تدريب أو تجمعات لوحدة الرضوان في إقليم التفاح. ولفت إلى أنّ تجدّد القصف بعد منتصف الليل يحمل رسالة ترهيب مباشرة للسكان، إذ تركّز إسرائيل ضرباتها في ساعات الليل لأسباب تحمل دلالات أمنية ونفسية، معتبرًا ذلك جزءًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى إشعار كل من يرتبط بحزب الله بأنّه لن يعيش حياة طبيعية، بل سيبقى تحت الضغط والخوف والقلق.
ورأى خشان أنّ ما يُروَّج عن تأثير انضمام السفير كرم إلى لجنة "الميكانيزم" لا يستند إلى أيّ وقائع ملموسة، بل إنّ التصعيد الإسرائيلي ازداد منذ ذلك التاريخ، مستشهدًا بما تنشره الصحافة العبرية نقلًا عن المخابرات الإسرائيلية حول عجز الجيش اللبناني أو اختراق حزب الله لمؤسساته، وهي معلومات تتقاطع—على حدّ تعبيره—مع تسريبات إعلامية إيرانية صادرة عن وسائل قريبة من مكتب المرشد.
وأوضح أنّ الأدبيات الإسرائيلية تذهب اليوم نحو اعتبار نهاية السنة مهلة سياسية وأمنية، انطلاقًا من أنّ الحرب آتية، وأنّ مسألة توقيتها فقط هي موضع النقاش، لا مبدأ وقوعها. وقال إنّ إسرائيل تعتمد معادلة "المنتصر"، أي المفاوضات تحت النار، وهي معادلة تتيح لها فرض شروطها سواء تحرّك الطرف الآخر ميدانيًا أو سياسيًا، إذ تستخدم الضغط العسكري كمسار موازٍ للمسار التفاوضي الذي تعمل على دفعه.
وتوقّف خشان عند التقرير الذي أصدره معهد "الما" حول الأنفاق التي يُقال إنّ حزب الله يشغّلها بين الجنوب وبيروت والبقاع، مشيرًا إلى خطورته وتأثيره على الرأي العام في ما يتعلق بالجبهة الشمالية. واعتبر أنّ ما ورد فيه يندرج ضمن حملة معلوماتية واسعة تقودها المخابرات الإسرائيلية منذ أيام، وتهدف إلى تعزيز مناخ الحرب وتهيئة بيئة دولية داعمة لأيّ عملية عسكرية محتملة.
وأكد أنّ لبنان يقف اليوم أمام خيارات صعبة: إمّا الذهاب إلى المفاوضات وفق الشروط التي تسعى إسرائيل إلى فرضها بدعم أميركي وفرنسي واضح، وإمّا محاولة تحقيق المطالب اللبنانية عبر أدوات داخلية وفي مقدّمها الجيش والقوى الأمنية. أما الخيار الثالث فهو الانزلاق نحو مواجهة كبرى، في وقت تعمل فيه إسرائيل على بناء ما تسميه "شرعية الحرب"، وهي المرحلة التي تسبق عادة أيّ قرار إسرائيلي بخوض معركة واسعة.
وأشار إلى أنّ ما يجري في الجنوب لا يعكس أيّ هدوء، بل يبدو جزءًا من مناخ خطر مستمر، مستشهدًا بالهجوم الليلي الأخير الذي استخدمت فيه إسرائيل 16 نوعًا من القنابل، بعضها خارق للتحصينات، ما أحدث حالة رعب واهتزاز كبيرين لدى السكان.
وفي ما يتعلق بزيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان، شدّد خشان على أنّ فرنسا فقدت منذ فترة القدرة على المبادرة، وأنّ الدور الفعلي بات في يد الولايات المتحدة، واصفًا الدور الفرنسي بأنّه "استشاري" أو "مساعد" للأميركيين، شبيه بالدور المصري، ضمن محاولة دفع لبنان نحو خيارات يعتبرها المجتمع الدولي سليمة، من دون ترك المسار يُدار بالكامل وفق الرؤية الإسرائيلية.
وأضاف أنّ فرنسا ومصر تعملان بتنسيق وثيق بشأن القضية الفلسطينية وملفات المنطقة، وهما في المقابل تطلبان من اللبنانيين تهيئة البيئة السياسية والأمنية اللازمة لعقد مؤتمر دعم الجيش اللبناني—المرتبط ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي—ومؤتمر النهوض الاقتصادي الهادف إلى جذب الاستثمارات وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة.
وخلص خشان إلى أنّ جولة لودريان تهدف إلى خلق مناخ ضاغط على حزب الله لدفعه إلى تقديم تنازلات في المسارين السياسي والأمني.