لم يكد اللبنانيون ينسون تصريح مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي بأن سلاح حزب الله بالنسبة لهم أهم من الخبز والماء، حتى طالعنا السفير الإيراني في بيروت مجتبى أماني، مؤكِّدًا أن الحزب سيرد على اغتيال مسؤوله هيثم طبطبائي وأن هذا الرد آتٍ لا محالة.
التدخّلات الإيرانية المستمرة في الشؤون اللبنانية تُظهر جليًّا، بما لا يقبل الشك، إصرار طهران على جعل لبنان، وشيعته على وجه التحديد، خطّ الدفاع الأول عن مصالحها ووجودها، ضاربةً عرض الحائط أيّ أذى إضافي قد تتعرض له هذه الطائفة، المنهكة أصلًا بعد حرب ضارية استمرت 66 يومًا، ولم يلتئم جرحها النازف حتى اليوم، ولا يبدو في الأفق علاج قريب، بل أخطار جمّة. فماذا تريد إيران من اللبنانيين عمومًا ومن الشيعة خصوصًا؟
طرحنا السؤال على عضو مبادرة "نحو الإنقاذ" الناشط السياسي الدكتور هادي مراد، الذي رأى أن إيران لا تزال تسعى إلى إثبات أنها قوة كبرى في المنطقة، غير أنها تفعل ذلك اعتمادًا على قدرات غيرها، معتبرًا أنها في حقيقتها نمر من ورق
وأشار إلى أن إيران لا تزال تنظر إلى شيعة لبنان بوصفهم "خَدَمًا تحت جناحيها"، مستندةً إلى نزعة شعوبية فارسية تميز شعبها وترى فيه "شعب الله المختار"، تمامًا كما يرى الإسرائيلي شعبه، مؤكِّدًا أن هذا النهج يجعل إيران منحازة إلى شعبها وتسعى لحمايته من أيّ مخاطر محتملة.
ولفت مراد إلى التصريحات الأخيرة التي اعتبرت أن الشيعة في لبنان يشكّلون "خبزًا يوميًا"، بعدما وصفتهم سابقًا بأنهم "رأسمال" لها.
ورأى أن هذه التصريحات تكشف بوضوح أن إيران تتعامل مع شيعة لبنان كسلعة، وتتبدّل تسمياتهم "الخبيثة" وفق احتياجاتها السياسية، الأمر الذي يعكس ظلمًا بحق اللبنانيين عمومًا وشيعة لبنان خصوصًا.
وأكد مراد أن هذا الواقع يستدعي موقفًا لبنانيًا واحدًا وموحدًا تجاه أيّ تدخل خارجي يمسّ الاستراتيجية القومية والأمنية والعسكرية للبنان، مشيرًا إلى أن إيران تعتبر نفسها جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية، لكنها في الوقت نفسه لا تزال تعبث بأمن لبنان وتدفعه نحو الهاوية خدمةً لمصالحها الخاصة ورغبتها في الجلوس على طاولة التفاوض العالمية مع الولايات المتحدة.
وقال: إن إيران هي صاحبة القرار الفعلي في مسار حزب الله في لبنان، مؤكدًا أنه لا يوجد أيّ مسؤول داخل الحزب يستطيع اتخاذ قرار من دون العودة إلى طهران.
وربط مراد اغتيال هيثم طباطبائي بمؤشرات تعكس نية إيران في استخدام حزب الله للرد، بما يعزّز فكرة أن الحزب يشكّل أداة في يدها تستخدمها متى تشاء، حتى لو كان ذلك على حساب أمن ملايين اللبنانيين.
في السياق نفسه، رأى الصحافي طوني بولس أن تصريحات السفير الإيراني والمسؤولين الإيرانيين، وآخرهم مستشار المرشد الذي أكد بكلامه أن حزب الله أهم من الماء والخبز في لبنان، هي دليل على تدخل واضح في الشؤون اللبنانية، وأن إيران لا تزال تستخدم لبنان كجزيرة خمينية لتصدير الإرهاب، وتوجيه الرسائل الإقليمية، واستخدام الشعب اللبناني كخط دفاع أمامي في أيّ مواجهة قد تقع بينها وبين إسرائيل.
وأشار إلى أن هذه التصريحات تؤكد ألا سبيل لوقف التدخل الإيراني في لبنان سوى قطع العلاقات بشكل كامل مع إيران وطرد السفير الإيراني من لبنان، معتبرًا أن هذا السفير الذي انفجر البيجر بيده، دليل على أنه ليس سفيرًا يمثل بلاده دبلوماسيًا، بل يدير وكرًا استخباراتيًا وأمنيًا يحيك المؤامرات من داخل سفارته، وهو عسكري يقود ميليشيا ويدير أعمال تنظيم إرهابي في لبنان.
وشدّد بولس على أن الحل الوحيد هو طرد هذا السفير وقطع العلاقات الدبلوماسية مع بلاده.
وخلص إلى أنه لا مجال للتعامل مع إيران أو الحوار معها، فإيران لا تمارس السياسة ضمن منهجية دستورية طبيعية، بل وفق دستور يقوم على تصدير الثورة، أي تصدير المنظمات والتنظيمات الإرهابية إلى المنطقة، وأنه لا يمكن التفاهم معها لأن دستورها قائم على هذا الإطار.
وعن الحوار مع حزب الله في لبنان، رأى بولس أن الأمر مستحيل، خصوصًا وأن الحزب جُرّب أكثر من مرة، وكانت نتيجته زيادة في تقويض السيادة اللبنانية وتعزيز سيطرة الحزب وهيمنته على الدولة.
وأشار إلى أن الحزب هو تنظيم أيديولوجي عسكري مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، ينخرط في العمل السياسي لحماية سلاحه وأيديولوجيته، ولا ينخرط في العمل السياسي بهدف تطوير المجتمعات أو النهوض بالوطن أو تعزيز العيش المشترك بين كلّ المكوّنات.
وختم بالدعوة إلى عدم الاكتفاء باستنكار التدخلات الإيرانية لفظيًا، بل أن تقوم الدولة بعمل مباشر عبر طرد السفير الإيراني وقطع العلاقات مع طهران.