January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

من بولس السادس إلى لاوون الرابع عشر: 60 عامًا من رسائل السلام إلى أرض لبنان

وصل البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، آتيًا من تركيا، في أول جولة خارج روما منذ تولّيه السدّة البابوية.

زيارة تمتدّ لثلاثة أيّام حافلة باللقاءات، الصلوات والرسائل الروحية والسياسية، قبل أن يغادر ظهر الثلاثاء، حاملًا شعارًا بالغ الدلالة: "طوبى لفاعلي السلام" — عبارة تختصر تمامًا اللحظة اللبنانية التي تتأرجح بين الفوضى واحتمالات استعادة الدولة ودورها.

لكنّ حضور البابا في هذا التوقيت يعيد إحياء سؤال أعمق من البروتوكول: كيف قرأ لبنان عبر تاريخه زيارات البابوات؟ وهل كانت مجرّد محطات روحية، أم لحظات مفصلية أعادت تعريف موقعه في الشرق؟

على مدى ستين عامًا، حملت الزيارات البابوية الثلاث السابقة إشارات واضحة إلى مكانة لبنان في العقل الفاتيكاني وإلى دوره كمعبر بين حضارات، ثقافات وأديان. وكلّ زيارة كانت مرآة لزمنها وظروفه:

لبنان المزدهر، لبنان الخاضع لسلطة الوصاية ولبنان المتصدّع وسط العواصف الإقليمية.


الزيارة الأولى (1964): لبنان المزدهر يستقبل بولس السادس

في كانون الأول 1964، وقف البابا بولس السادس لوقت قصير على أرض مطار بيروت. دقائق قليلة كانت كافية لتكريس صورة لبنان النموذج. كان البلد يعيش عصره الذهبي: نهضة اقتصادية لافتة، طبقة وسطى فاعلة، جامعات، صحف ومؤسسات ثقافية ترسم مشهدًا فريدًا في المنطقة.

لم تكن زيارة بروتوكولية بقدر ما كانت تثبيتًا لجوهر العلاقة بين الكنيسة المارونية والكرسي الرسولي. وكانت رسالة البابا واضحة، ولو من دون خطابات طويلة: لبنان مساحة حرّية وتنوّع في قلب منطقة مضطربة … و"لبنان الرسالة" ليس شعارًا أدبيًا بل واقعًا سياسيًا وروحيًا.

هذه الزيارة الأولى أسّست لمرحلة طويلة بَقِيَ فيها لبنان جزءًا من المخيّلة الروحية والثقافية للغرب.



الزيارة الثانية (1997): يوحنا بولس الثاني … وكلمة “الرجاء” في زمن القمع

في أيار 1997، وصل البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان في واحدة من أصعب المراحل: بلد منهك بعد الحرب، ممسوك بقبضة النظام السوري ومسيحيون يشعرون بالعزلة والتهميش.

تحوّلت الزيارة إلى لحظة وطنية نادرة. خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في مشهد لم يعرفه لبنان منذ عقود، رافعين الشعارات السوداء رفضًا للقمع ومطالبين بالحرّية.

خرج البابا عن النصّ مخاطبًا الشباب بكلمات لا تزال محفورة في الذاكرة اللبنانية: "اهدموا جدران الخوف … يأتي زمن الانتصار."

وفي ختام الزيارة سلّم الإرشاد الرسولي "رجاءً جديدًا للبنان" الذي رسم ملامح وطن يقوم على الشراكة واحترام دور المواطنين وعودة الدولة إلى مؤسساتها. كانت الزيارة فعل مقاومة روحيّة في زمن القهر السياسي.

أما الإرشاد الرسولي – رجاء جديد للبنان، الذي صدر في ختام الزيارة، فقد أعاد تثبيت مفهوم الشراكة الوطنية ورسم الطريق لبلد يستعيد مؤسساته ودوره.

كانت هذه الزيارة فعل مقاومة روحية في زمن اختناق سياسي.



الزيارة الثالثة (2012): بنديكتوس السادس عشر وسط عواصف المنطقة

في أيلول 2012، وفي ذروة الحرب السورية والاغتيالات السياسية والشلل الحكومي، أصرّ البابا بنديكتوس السادس عشر على زيارة لبنان — إصرارًا لم يكن بروتوكوليًا بل رسالة روحية وسياسية بامتياز: الفاتيكان لن يترك لبنان وحيدًا.

حمل البابا معه الإرشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط: شركة وشهادة"، مؤكدًا أنّ لبنان هو ضمانة بقاء المسيحيين في المنطقة، لا باعتباره بلدًا للأقلية بل لأنه نموذجًا للتعايش. وقال للشباب: ًلا تخافوا … ولا تتجرّعوا عسل الهجرة المُرّ."

دعوة صريحة للثبات وعدم مغادرة الأرض التي تشكّل جزءًا من هوية الشرق وتاريخه.



الزيارة الرابعة (2025): لاوون الرابع عشر ولبنان المعلّق بين هدنة وحرب

اليوم يعود التاريخ ليفتح صفحته الرابعة.

وصل البابا لاوون الرابع عشر إلى بلد يعيش أخطر مراحله منذ نهاية الحرب: حدود ملتهبة، انقسام سياسي وأزمة اقتصادية غير مسبوقة.

لكن جدول الزيارة المكثّف يعطي إشارة واضحة:

البابا لن يكتفي بالرمزية الروحية، بل سيخاطب كلّ لبنان — دولة ومؤسسات وشبابًا وجرحى ومجتمعًا مدنيًا.


بين الزيارة والرسالة

قبل أسابيع، دعا البابا إلى "التخلّي عن منطق السلاح" وإعادة إطلاق التفاوض.

وها هو يصل إلى لبنان فيما البلد يقف بين هدنة هشّة واحتمالات انفجار أوسع.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع هذه الزيارة تكريس منطق الدولة وإعادة توجيه البوصلة نحو السلم؟ وهل تكون لحظة تأسيس لشرق جديد يبدأ من لبنان، كما كان دائمًا في المخيّلة الروحية والسياسية للكرسي الرسولي؟

قد لا تغيّر زيارة واحدة مسار التاريخ، لكنها قادرة على فتح نافذة أمل تُذكّر بأنّ السلام ليس رفاهية ولا ضعفًا، بل خيار الشجعان ومسار الإرادة الحرّة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يلتقط لبنان الفرصة هذه المرة … أم يتركها تمرّ كما مرّت فرص كثيرة من قبل؟


برنامج زيارة البابا لاوون الرَّابع عشر إلى لبنان ليومي الإثنين والثلاثاء

 

- الإثنين 1 كانون الأول 2025

9:45 صباحًا: زيارة دير القديس مار مارون – عنّايا والصلاة عند ضريح القديس شربل.

11:20: لقاء الأساقفة والكهنة والمكرّسين والعاملين الرعويين في مزار سيّدة لبنان – حريصا.

12:00 ظهرًا: لقاء خاص مع البطاركة الكاثوليك في السفارة البابوية.

4:00 عصرًا: لقاء مسكوني وحواري بين الأديان في ساحة الشهداء – بيروت.

5:45: لقاء مع الشباب في بكركي.


- الثلاثاء 2 كانون الأول 2025

8:30 صباحًا: لقاء العاملين والمساعدين في مستشفى راهبات الصليب – جلّ الديب.

9:30 صباحًا: وقفة صلاة صامتة في موقع انفجار مرفأ بيروت.

10:30 صباحًا: القدّاس الكبير في واجهة بيروت البحرية.

12:45 بعد الظهر: مراسم الوداع من مطار رفيق الحريري الدولي.

1:15 بعد الظهر: مغادرة لبنان.

4:10 عصرًا: الوصول إلى مطار فيوميتشينو – روما.