August 07, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

جاسم عجاقة: التداعيات على المالية العامة "كارثية".. والمودعون قد يدفعون جزءا من كلفة الحرب

14 مليار دولار ليست مجرد حصيلة أولية لخسائر الحرب، بل فاتورة تضاف إلى اقتصاد فقد نحو 40% من حجمه منذ العام 2019. أرقام تعكس حجم الأزمة التي يواجهها لبنان، فيما لا تزال قدرته على التعافي محدودة في ظل الانكماش المالي واستمرار الضغوط على المالية العامة.

ومع تراجع الإيرادات وعجز الدولة، تبدو الخيارات والحلول محدودة، فيما يبقى التمويل الخارجي مرتبطا بشروط سياسية واقتصادية. فأي تداعيات ستتركها هذه الخسائر على الاقتصاد اللبناني؟ وهل ستبقى كلفة الحرب محصورة بالأرقام، أم سينتقل جزء منها إلى المواطن، في وقت لا يزال فيه ملف أموال المودعين من دون حل؟

في هذا الإطار، أكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية البروفسور جاسم عجاقة أن فاتورة الـ 14 مليار دولار تشمل الأضرار المادية المباشرة والخسائر الاقتصادية غير المباشرة، مشيرا إلى أن قيمة الأضرار المباشرة تقدر بنحو 6.8 مليارات دولار، فيما تبلغ الخسائر غير المباشرة، الناتجة عن ضياع الفرص الاقتصادية، نحو 7 مليارات دولار.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذا الرقم يعادل ما بين 50 و60% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان، وهو ما يعني عمليا أن الحرب سحبت من الاقتصاد اللبناني أكثر من نصف حجمه، معتبرا أن الأخطر من ذلك هو أن الاقتصاد اللبناني يعاني أساسا انكماشا يقارب 40% مقارنة بالعام 2019، عندما كان في ذروة نشاطه.


وأشار عجاقة إلى أن تدمير رأس المال ينعكس مباشرة على النمو الاقتصادي، لأن الاستثمارات هي المحرك الأساسي للنمو، إذ تؤمن فرص العمل، وتحفز الاستهلاك، وتدفع عجلة الاقتصاد. إلا أن الحرب، بحسب رأيه، دمرت رأس المال في مختلف القطاعات، من الزراعة والسياحة إلى التجارة والصناعة والبنية التحتية، فيما أدى غياب الثقة، واستمرار الحرب، واستشراء الفساد، إلى ارتفاع المخاطر السيادية، ما أبعد المستثمرين عن لبنان، لافتا إلى أن أزمة القطاع المصرفي تشكل أيضا عائقا أساسيا أمام أي استثمار خارجي، لأن تدفق رؤوس الأموال لا يمكن أن يتم من دون قطاع مصرفي قادر على استقطابها وإدارة حركتها.


ووصف التداعيات على المالية العامة بأنها "كارثية"، مشيرا إلى أن العجز في الموازنة مستمر، فيما تلجأ الحكومة إلى فرض ضرائب ورسوم جديدة لتأمين الإنفاق الناتج عن الحرب والأزمة الاقتصادية. وقال إن جزءا كبيرا من الإيرادات التي كانت متوقعة في الموازنة تراجع، ولم يبق سوى بعض الإيرادات الإضافية الناتجة عن الضريبة على البنزين والرسوم الجمركية، ما يجعل الوضع المالي أكثر صعوبة، متوقعا أن تكون السنوات المقبلة صعبة اقتصاديا وماليا، لأن الإمكانات المتاحة أصبحت محدودة، ولم يعد البلد قادرا على الاستناد إلى موارده الحالية.


ولفت عجاقة إلى أن الدولة تمتلك أصولا يمكن الاستفادة منها إذا توفرت الإرادة السياسية، عبر إنشاء صندوق استثماري يساهم في تحفيز النمو الاقتصادي، ومحاربة الفساد، وجذب الرساميل، بما يسمح بتحقيق عائدات للدولة وإدراج هذه الخطوة ضمن أي خطة نهوض اقتصادي.


وفي ملف إعادة الإعمار، شدد على أن الدولة اللبنانية غير قادرة على تحمل الكلفة المالية، التي تقدر بنحو 6.27 مليارات دولار، لأنها لا تملك السيولة اللازمة، فيما تعاني الموازنة عجزا كبيرا وتراجعت الإيرادات بشكل ملحوظ. لذلك، فإن الرهان سيكون، بحسب تقديره، على الخارج، إذ إن أكثر من 90% من تمويل إعادة الإعمار سيعتمد على الصناديق العربية، والمؤسسات الدولية، والدول المانحة.


وقال عجاقة إن هذا التمويل لن يأتي من دون شروط، خلافا لما حصل بعد حرب العام 2006، موضحا أن الجهات المانحة تربط أي مساعدات بتنفيذ إصلاحات، وفي مقدمتها الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب شروط سياسية وأمنية، أبرزها تحقيق الاستقرار الأمني، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، فضلا عن إصلاحات مالية ونقدية وقضائية. واعتبر أن التجارب السابقة وحدها ستظهر ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على تنفيذ هذه الشروط.


وحذر من احتمال انتقال كلفة الحرب إلى المجتمع اللبناني عبر ثلاثة مسارات. الأول، زيادة الضرائب غير المباشرة، مثل الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية والرسوم على الخدمات، بهدف تمويل عجز الموازنة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وانخفاض الاستهلاك، ويفرض أعباء إضافية على الطبقات الفقيرة والطبقة المتوسطة. أما المسار الثاني، فيتمثل في استمرار تأجيل معالجة ملف الودائع، بحيث تقدم إعادة الإعمار كأولوية إنسانية على حساب إقرار قانون الانتظام المالي، وإعادة الودائع، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ما يعني أن المودعين قد يتحملون جزءا من كلفة الحرب بصورة غير مباشرة.


وأشار عجاقة إلى أن المسار الثالث يتمثل في تحويل الاعتمادات التي كانت مخصصة للقطاعات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات العامة، إلى أولويات أخرى مرتبطة بإعادة الإعمار، ما يؤدي إلى تآكل مستوى الخدمات الأساسية، لافتا إلى أن هذه السيناريوهات تبقى ممكنة من الناحية النظرية، لكن تنفيذها عمليا لن يكون بيد الدولة اللبنانية وحدها، بل سيتأثر أيضا بالعامل الخارجي.


وبيّن أن غياب التمويل سيدخل الاقتصاد اللبناني في مرحلة طويلة من التدهور، مع تراجع النشاط الاقتصادي في مناطق مثل الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وانخفاض مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، بالتوازي مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر. كما سيؤدي، بحسب رأيه، إلى توسع الاقتصاد النقدي (Cash Economy) نتيجة اعتماد الأفراد بشكل أكبر على التمويل المباشر، وهي أمور تفاقم المخاطر المرتبطة باللوائح الرمادية وربما السوداء، وتضعف قدرة الدولة على الجباية، فضلا عن زيادة معدلات الهجرة في ظل غياب أي آفاق اقتصادية، لتصبح بالنسبة إلى كثيرين الخيار الوحيد للخروج من الأزمة.


في النهاية، المشكلة لا تكمن فقط في حجم الخسائر التي خلفتها هذه الحرب، بل في تراكم الأزمات التي حالت دون حصول لبنان على فرصة فعلية للتعافي. فكل صدمة جديدة تأتي قبل أن يتمكن الاقتصاد من استعادة قدرته على النهوض، ما يجعل كلفة الأزمات تتضاعف ويزيد من صعوبة الخروج من دائرة الانكماش.