July 30, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

إيلي يشوعي: زيادة الضرائب ليس حلا.. والودائع بالليرة اللبنانية فقدت قيمتها

مر أسبوعان على إقرار مجلس النواب حزمة قرارات مالية ترتب أعباء إضافية على الخزينة تقدر بنحو 800 مليون دولار، لكن السؤال الأساسي لا يزال بلا جواب واضح: كيف ستؤمن الدولة هذا التمويل؟ فالالتزامات أصبحت أمرا واقعا، فيما تبحث وزارة المالية عن مخارج لسد فجوة التمويل، وسط احتمال اللجوء إلى إجراءات ضريبية جديدة.

وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، يبقى التحدي الأكبر: كيف يمكن تمويل هذه الزيادات من دون تحميل الناس أعباء إضافية؟

في هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي أن منح موظفي القطاع العام ستة أضعاف رواتبهم الحالية لا يشكل حلا للأزمة، بل قد يكون بمثابة تمويل للبطالة المقنعة داخل الإدارات الرسمية، وتمويل لاستمرار الهدر وتراجع مستوى الأداء، مشيرا إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بقيمة الرواتب، بل بغياب الإصلاح الحقيقي، خصوصا بعد سنوات من التوظيفات العشوائية التي أدت إلى تضخم الجهاز الإداري من دون تحسن فعلي في الإنتاجية.


ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الدولة، قبل إقرار أي زيادة لموظفي القطاع العام، كان يفترض بها البدء بإصلاح شامل للإدارات الرسمية، يقوم على تنقية الجهاز الإداري وعصرنته وإعادة هيكلة الوزارات والمؤسسات العامة، من خلال إلغاء الوظائف التي لم تعد لها جدوى، واستحداث وظائف جديدة تواكب التحولات التكنولوجية وحاجات الاقتصاد الحديث، مشبها الواقع الحالي كالدخول إلى منزل مهجور منذ سنوات ومحاولة السكن فيه مباشرة، وهذا ما يحصل مع الإدارات الرسمية، في إشارة إلى ضخ الأموال قبل معالجة مكامن الخلل.


وقال يشوعي إن مجلس النواب أقر ما أقره، لكن هذه الزيادات، إلى جانب زيادات أخرى، سترتب أعباء إضافية قد تصل إلى نحو 800 مليون دولار، ما يفرض على الخزينة تأمين مصادر التمويل، سائلا: من أين سيأتي التمويل؟


واعتبر أن زيادة الضرائب والرسوم في ظل انكماش اقتصادي خانق ليست حلا، لأنها ستنعكس سلبا على النمو الاقتصادي، والحركة التجارية والإنتاجية، والقدرة الشرائية للمواطنين، لافتا إلى أن خيار الضرائب يجب استبعاده في المرحلة الراهنة، لأن تحميل المواطنين أعباء إضافية في ظل الظروف الحالية سيؤدي إلى نتائج عكسية ويزيد الضغط على الاقتصاد.


وسأل يشوعي: إذا استبعدت الضرائب، فما الذي يبقى أمام الدولة؟، مشيرا إلى أن المساعدات الخارجية لم تعد كما كانت، وأن تحويلات اللبنانيين من الخارج تراجعت بفعل التطورات والأحداث، لا سيما في دول الخليج. أما قروض البنك الدولي، فهي محدودة، فيما تبقى المساعدات الأخرى مرتبطة بتنفيذ إصلاحات واضحة.


وأكد أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإصلاحات، فلا إصلاح نقدي تحقق، ولا إصلاح مالي أو ضريبي أو خدماتي أو مصرفي، فيما لا تزال قضية الودائع من دون معالجة جدية. وقال إن المواطن، في الظروف الطبيعية، يلجأ إلى مدخراته عندما لا يكفي دخله لتغطية الضرائب والرسوم. أما اليوم، وبعد استنزاف القدرة الشرائية والمدخرات، فإن أي أعباء إضافية ستزيد الضغط على المواطنين والاقتصاد.


وسأل يشوعي: أين هي مدخرات اللبنانيين اليوم؟ وأين أصبحت الودائع؟، مشيرا إلى أن الودائع بالليرة اللبنانية، التي كانت تقدر سابقا بنحو 65 مليار دولار على أساس سعر صرف 1500 ليرة للدولار، فقدت الجزء الأكبر من قيمتها مع انهيار سعر الصرف، لتصبح وفق سعر صرف 90 ألف ليرة للدولار ما يقارب 0.8 مليار دولار.


ثم سأل: من يتحمل مسؤولية هذه الخسائر؟ وقال: تتحمل الدولة المسؤولية الأساسية، باعتبارها مسؤولة عن إدارة السياسة المالية والنقدية، وعن انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، إضافة إلى الخسائر التي لحقت بالودائع.


وشدد يشوعي على أن تحميل المواطنين أعباء جديدة عبر الضرائب والرسوم، قبل معالجة أسباب الانهيار وإطلاق الإصلاحات المطلوبة، لن يكون حلا للأزمة بل سيزيد من حدتها، لافتا إلى أنه قبل أن تعاد الودائع إلى أصحابها، هل المطلوب إدخال الناس أكثر في أعباء أزمة اقتصادية وانكماش عميق يزداد يوما بعد يوم؟ وهل من المنطقي إرهاق المواطنين مجددا بالضرائب والرسوم؟"


وقال إن الدولة، إذا مضت في هذا المسار من دون معالجة جذور الأزمة، فلن يبقى أمامها سوى إصدار سندات خزينة بالليرة اللبنانية لمصرف لبنان، ما قد يفتح الباب أمام تمويل إضافي بالليرة، محذرا من أن هذا الخيار قد يهدد مجددا استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية، عبر زيادة الكتلة النقدية وإعادة إنتاج الضغوط التضخمية على الاقتصاد والمواطنين.


في الخلاصة، يبقى الملف المالي أمام اختبار حاسم، فكل تأخير في إيجاد حلول واضحة يضيق هامش الخيارات أمام الدولة ويزيد الضغط على الاقتصاد والمواطنين، وسط مخاوف من الانزلاق نحو المجهول.