لا يزال شبح ارتفاع الأسعار يلاحق اللبنانيين مع كل تصعيد تشهده المنطقة. فالتوترات في مضيق هرمز والتهديدات بإقفال باب المندب لا تبقى محصورة بالسياسة، بل تمتد سريعا إلى أسواق النفط وكلفة الشحن، لتصل تداعياتها إلى الدول المستوردة، وفي مقدمتها لبنان. ومع الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات بدأت كلفة الإنتاج ترتفع. لكن، إذا استمر التصعيد في الممرات البحرية، فهل يبقى تأثيره محصورا بارتفاع كلفة الإنتاج، أم إن اللبنانيين سيكونون أمام موجة جديدة من الغلاء تطاول الخبز وسائر السلع الأساسية؟
نعيم خواجة: المازوت يهدد وزن الربطة
وفي هذا السياق، قال أمين سر اتحاد نقابات الأفران في لبنان نعيم خواجة إن ما يحصل في مضيق هرمز وباب المندب لا يعني انقطاع القمح عن لبنان، موضحا أن القمح الذي يأتي إلى لبنان يمر عبر قناة السويس.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن إقفال باب المندب سيحدث فرقا في الأسعار حتما، لافتا إلى أن أي اضطراب في حركة الملاحة سينعكس على كلفة النقل والشحن.
وأشار خواجة إلى أن ارتفاع سعر النفط ينعكس مباشرة على كلفة إنتاج الخبز، موضحا أن المازوت يشكل نحو 22 % من قيمة ربطة الخبز، أي إنه إذا كان سعر الربطة 100 ألف ليرة، فإن نحو 22 ألف ليرة منها هي كلفة المازوت، وهذا ما يوضح حجم تأثير ارتفاع أسعار المحروقات على كلفة الخبز.
ورأى أن قطاع الأفران يتأثر بشكل أساسي بعاملي المازوت والقمح، مشيرا إلى أنه في حال إقفال باب المندب، سيكون هناك ضغط إضافي على حركة الملاحة عبر قناة السويس، ما سيجبر البواخر على اتخاذ مسارات أطول، الأمر الذي سيرفع كلفة النقل.
وقال خواجة إن ارتفاع أسعار القمح عالميا، إلى جانب ارتفاع سعر برميل النفط، سينعكس حكما على سعر الخبز، موضحا أن أي زيادة في الكلفة ستحتسب وفق الأسعار العالمية.
وعن احتمال ارتفاع سعر ربطة الخبز، لفت إلى أن الأمر مرتبط بسعر المازوت، مشيرا إلى أن كل زيادة بقيمة 150 دولارا في طن المازوت تؤدي إلى ارتفاع بنحو 5 آلاف ليرة، وهي القاعدة التي يعتمدها القطاع في احتساب الزيادات.
وأكد خواجة أن سعر القمح لا يزال مستقرا حاليا، وأن الأفران لديها مخزون كاف منه، لافتا إلى أن سعر ربطة الخبز يبلغ نحو 75 ألف ليرة من الأفران ونحو 90 ألف ليرة في السوبرماركت، في حين يبقى وزنها ثابتا عند 835 غراما.
وعن احتمال خفض وزن ربطة الخبز في حال استمرار ارتفاع الكلفة، أوضح أن الأمر مرتبط بالقدرة التقنية على التصنيع، مشيرا إلى أن ربطة الخبز لا يمكن إنتاجها مهنيا بوزن أقل من 800 غرام.
وقال خواجة إن طريقة تصنيع الرغيف، خصوصا لناحية شرائح الخبز وطريقة رق العجين، لا تسمح بخفض الوزن إلى ما دون هذا الحد، مؤكدا أن النزول تحت 800 غرام غير ممكن.
وشدد على أنه في حال ارتفع سعر المازوت بشكل إضافي، قد يكون هناك خفض بسيط في وزن الربطة من دون تغيير سعرها، لكن الخفض لا يمكن أن يتجاوز حدود 800 إلى 810 غرامات كحد أقصى.
أنطوان فرح: لبنان يدفع ثمن صدمات النفط وهرمز
أما من الناحية الاقتصادية، فرأى الخبير الاقتصادي أنطوان فرح أن التطورات الحالية لا ترتبط فقط بما قد يحصل في مضيق باب المندب، بل إن العامل الأكثر تأثيرا في المرحلة الراهنة هو أزمة مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالميا، موضحا أن سعر برميل النفط وصل إلى ما يقارب 94 دولارا، أو أكثر بقليل. واعتبر أن بلوغ مستوى 100 دولار أصبح أمرا واردا في ظل استمرار الضغوط على أسواق الطاقة.
وأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن لبنان سيتأثر حتما بأي ارتفاع في أسعار النفط أو أي تطورات مرتبطة بمضيق هرمز، لافتا إلى أن انعكاس ذلك سيظهر بشكل مباشر على أسعار السلع في السوق اللبنانية، باعتبار أن كلفة الطاقة تدخل في مختلف القطاعات.
ورأى فرح أن التضخم في لبنان كان قد سجل مستويات مرتفعة خلال الفترة الماضية نتيجة عوامل عدة، أبرزها الحرب وارتفاع أسعار النفط، إضافة إلى التضييق الذي حصل في مضيق هرمز خلال المرحلة السابقة، ما أدى إلى زيادة كلفة الاستيراد والضغط على الأسعار. وقال: استنادا إلى أرقام الإحصاء المركزي في لبنان، إن أسعار السلع ارتفعت بنسبة 17 % بين حزيران 2025 وحزيران 2026، معتبرا أن هذه النسبة تعكس حجم تأثر السوق اللبنانية بارتفاع أسعار النفط والتطورات المرتبطة بمضيق هرمز.
ولفت إلى أن عودة أسعار النفط إلى الارتفاع قد تؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع، موضحا أن ملف الطاقة هذه المرة أكثر حساسية بسبب التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، إضافة إلى عوامل أخرى تؤثر على إمدادات النفط عالميا.
وفي ما يتعلق بباب المندب، أوضح فرح أن وضع لبنان يختلف عن مضيق هرمز، إذ إن لبنان لا يستورد عبر هرمز مباشرة، لكنه يتأثر بأسعار النفط العالمية، وبالتالي فإن أي ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس على أسعار السلع محليا، مشيرا إلى أن لبنان يعتمد على ممر باب المندب في جزء من حركة الاستيراد. ولفت إلى أن أي إغلاق للمضيق أو تضييق في حركة الملاحة سيؤدي إلى ارتفاع كلفة الاستيراد، خصوصا بالنسبة إلى التجار والمستوردين الذين يعتمدون على هذا الطريق.
واعتبر أن تداعيات باب المندب لا تقتصر على تأخير وصول البضائع، بل تشمل أيضا ارتفاع كلفة النقل والتأمين، إذ إن اعتماد طرق بديلة سيكون أطول وأكثر كلفة، كما أن بوالص التأمين سترتفع نتيجة المخاطر المرتبطة بالوضع الأمني. وقال إن أي اضطراب في سلاسل التوريد قد يؤدي إلى تأخر وصول بعض السلع أو نقصها، ما سينعكس بدوره على أسعارها في السوق اللبنانية.
ورأى فرح أن استمرار التوتر في مضيق هرمز، إلى جانب تطورات باب المندب واستمرار ارتفاع أسعار النفط، قد يضع لبنان أمام مرحلة جديدة من الضغوط التضخمية، ما سينعكس سلبا على القدرة الشرائية للبنانيين.
في النهاية، يبقى لبنان رهينة أي تطور في الممرات البحرية وأسواق الطاقة، فارتفاع النفط أو زيادة كلفة الشحن قد يترجمان سريعا إلى غلاء جديد يطال مختلف القطاعات، فيما يبقى المواطن اللبناني أول من يدفع ثمن هذه الأزمات.