مع بدء وزارة المال إعداد مشروع موازنة عام 2027، تبرز أمام الحكومة مهمة شائكة في ظل واقع اقتصادي ومالي معقد، خصوصًا بعد تغيّر معطيات موازنة 2026 بفعل الحرب وتداعياتها. فالأرقام التي بُنيت عليها لم تعد تعكس الواقع الحالي، بعدما ارتفعت أعباء الدولة وتراجعت الإيرادات نتيجة انكماش النشاط الاقتصادي.
وبين تحديات تأمين التمويل وضبط النفقات، تبدو صياغة موازنة جديدة أمام اختبار حقيقي لجهة قدرتها على ملامسة الواقع، بدل الاكتفاء بتقديرات قد تتبدل مع أي تطور. فكيف ستُبنى أرقام موازنة 2027؟ وهل ستتجه الحكومة إلى فرض رسوم إضافية لمعالجة الفجوة، أم ستلجأ إلى إصلاحات تعيد التوازن إلى المالية العامة؟
في هذا السياق، قدّم الخبير الاقتصادي باتريك مارديني قراءة للواقع المالي في ظل الحرب المستمرة والتبدلات الكبيرة التي طرأت على الاقتصاد اللبناني، معتبرًا أن إعداد موازنة جديدة سيكون أكثر صعوبة، خصوصًا أن الأرقام والفرضيات التي بُنيت عليها موازنة عام 2026 لم تعد تعكس الواقع الحالي.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الصورة لا تزال غير مكتملة بالنسبة إلى كيفية وضع أرقام موازنة 2027، في ظل عدم حسم المسار الذي ستسلكه المالية العامة خلال المرحلة المقبلة، موضحًا أن الدولة تواجه معادلة صعبة تتمثل في ارتفاع النفقات وتراجع الإيرادات، فيما لم تُحسم بعد الخيارات التي ستعتمدها الحكومة لمعالجة هذا الخلل.
ولفت مارديني إلى أن موازنة 2027 يمكن أن تستفيد من التجربة التي شهدها عام 2026، بعدما كشفت الحرب عن متغيرات جديدة أثرت بصورة مباشرة في المالية العامة، موضحًا أن الأضرار الكبيرة التي طالت الجنوب والضاحية والبقاع، إضافة إلى ارتفاع كلفة المحروقات والأعباء الناتجة عن الحرب، كلها عوامل أدت إلى زيادة نفقات الدولة اللبنانية.
وأوضح أن إعداد موازنة واقعية يبقى ممكنًا من حيث المبدأ، لكن الظروف الحالية تجعل المهمة أكثر تعقيدًا، مشيرًا إلى أن الموازنات في لبنان كانت أصلًا تواجه مشكلة أساسية تتمثل في عدم وجود حسابات مدققة بصورة كافية، وكانت تُبنى غالبًا على فرضيات وتقديرات، ما يجعل التحدي اليوم أكبر في ظل المستجدات التي فرضتها الحرب.
ولفت مارديني إلى أن الدولة تواجه أيضًا أعباء إضافية مرتبطة بملف النزوح وتأمين الاحتياجات الأساسية، ما يرفع حجم الإنفاق في وقت تتراجع فيه قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات، موضحًا أن إيرادات الدولة ترتبط بصورة أساسية بحجم النشاط الاقتصادي؛ فكلما زاد نشاط الشركات وتحسنت المداخيل، ارتفعت الإيرادات الضريبية، أما في حال الركود الاقتصادي وتراجع الحركة التجارية والاستثمارية، فإن مداخيل الدولة تنخفض تلقائيًا.
وأشار إلى أن الحرب أدت إلى توقف النشاط الاقتصادي في مناطق واسعة، ولا سيما في الجنوب وأجزاء من البقاع والضاحية، كما أثرت في الحركة السياحية والاستثمارات، ما ينعكس مباشرة على الإيرادات الضريبية، معتبرًا أن المعادلة الحالية تتمثل في ارتفاع النفقات مقابل انخفاض الإيرادات.
وفي ما يتعلق بالخيارات المتاحة أمام الحكومة لسد الفجوة المالية، اعتبر مارديني أن الاتجاه نحو زيادة الرسوم والضرائب في موازنة 2027 سيكون خيارًا خاطئًا في المرحلة الحالية، لأن لبنان يمر بأزمة اقتصادية وركود وتضخم، وأي زيادة في الأعباء الضريبية ستؤدي إلى مزيد من الضغط على المواطنين والمؤسسات، وتزيد من صعوبة تعافي الاقتصاد، محذرًا من أن رفع الضرائب والرسوم قد تكون له نتائج عكسية، إذ يدفع مزيدًا من المؤسسات إلى التهرب الضريبي والجمركي، ويضع الشركات الملتزمة بالقوانين أمام منافسة غير عادلة مع مؤسسات لا تدفع ما يترتب عليها من مستحقات، ما قد يهدد استمرار القطاع الشرعي.
واعتبر أن الحل لا يكمن في زيادة نسبة الضرائب على المكلفين الحاليين، بل في توسيع القاعدة الضريبية عبر مكافحة التهرب الضريبي والجمركي وإدخال مزيد من المؤسسات إلى الاقتصاد النظامي، موضحًا أن تخفيض العبء الضريبي قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى زيادة الإيرادات، لأن عددًا أكبر من الشركات يصبح قادرًا على الالتزام والدفع.
وشدد على أن معالجة العجز لا تكون فقط عبر البحث عن إيرادات إضافية، بل أيضًا عبر خفض النفقات، معتبرًا أن إعادة هيكلة القطاع العام تشكل أحد الملفات الأساسية في هذا الإطار، مشيرًا إلى أن معالجة هذا الخلل تتطلب إعادة النظر في بنية القطاع العام وخفض عدد الموظفين غير المنتجين، معتبرًا أن تضخم عدد العاملين في الدولة يشكل عبئًا كبيرًا على المالية العامة، وأن أي زيادة في الإيرادات لن تكون كافية إذا استمرت النفقات في الارتفاع بهذا الشكل.
وأكد مارديني ضرورة أن تتضمن موازنة 2027 احتياطًا ماليًا لمواجهة الظروف الطارئة، باعتبار أن أي موازنة يجب أن تتحسب لأحداث غير متوقعة، كالحروب والكوارث والأزمات، خصوصًا في ظل التجربة التي مر بها لبنان خلال المرحلة الأخيرة، مشيرًا إلى أن الحرب قد تدفع الدولة إلى إعطاء الأولوية لمعالجة الملفات الطارئة، مثل وقف الحرب، وإزالة آثار الدمار، ومعالجة ملف النزوح، لكنها لا يجب أن تؤدي إلى تأجيل الإصلاحات الهيكلية.
وبيّن أن الإصلاحات تصبح أكثر أهمية خلال الأزمات، لأنها قادرة على تخفيف آثارها السلبية، مشيرًا إلى أن إصلاح القطاع المصرفي، على سبيل المثال، ضروري لإعادة قدرة الاقتصاد على التمويل، وتمكين المواطنين والمؤسسات من الحصول على قروض والمساهمة في إعادة الإعمار.
كما شدد على أهمية الحفاظ على الاستقرار النقدي، معتبرًا أن مخاطر انهيار سعر الصرف ترتفع في ظل الحروب والأزمات، ما يجعل اتخاذ خطوات إصلاحية في السياسة النقدية أكثر إلحاحًا، لا أقل.
وخلص إلى أن الظروف الاستثنائية لا يجب أن تتحول إلى سبب لتأجيل الإصلاحات المطلوبة، بل يجب أن تكون حافزًا للإسراع بها، لأن الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى معالجة مشكلاته البنيوية، سواء في أوقات الاستقرار أو الأزمات.
وفي نهاية المطاف، تبقى موازنة 2027 أمام امتحان صعب، خصوصًا بعدما فقدت موازنة 2026 قدرتها على عكس الواقع المالي والاقتصادي بفعل الحرب والعجز المالي. وبالتالي، فإن التحدي لم يعد يقتصر على إعداد موازنة جديدة، بل على صياغة رؤية مالية قادرة على التكيف مع المتغيرات وإطلاق مسار إصلاحي مستدام.