July 01, 2026   Beirut  °C
سياسة

وليد أبو سليمان: لا مبرر لرفع الأسعار بعد تعليق الرسوم البيئية

أظهرت جولة ميدانية على عدد من محال السوبرماركت ارتفاعًا في أسعار سلع غذائية واستهلاكية، ما أثار استياء المستهلكين. ويأتي ذلك في ظل تفسيرات متباينة قدّمها بعض التجار، ربطت في وقت سابق بين هذه الزيادات ومخاوف تتعلق بإغلاق مضيق هرمز، قبل أن تتزامن موجة جديدة من ارتفاع الأسعار مع إعلان الحكومة مرسوم "الرسوم البيئية"، ثم تعليق العمل به قبل دخوله حيّز التنفيذ.

وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت بعض الزيادات قد حصلت بشكل استباقي بمجرد الإعلان عن القرار، أو ما إذا كان ذلك يُستغل أحيانًا كذريعة لرفع الأسعار وتحقيق أرباح إضافية، إلى جانب التساؤل عن مدى قدرة وزارة الاقتصاد والتجارة على ضبط السوق، وإعادة التوازن إلى الأسعار، ومحاسبة المخالفين بفعالية.


وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان إنه لا يمكن الجزم بأن جميع الزيادات الأخيرة في الأسعار مرتبطة حصرًا بمرسوم الرسوم البيئية، مشيرًا إلى أن حركة الأسعار تتأثر بجملة من العوامل، أبرزها كلفة الاستيراد، وسعر الصرف، والنقل، والتأمين، وحجم المخزون، إضافة إلى توقعات المخاطر الإقليمية.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الإعلان عن فرض رسم أو ضريبة جديدة، حتى قبل دخوله حيّز التنفيذ، قد يتحول، من الناحية الاقتصادية، في سوق تعاني ضعفًا في الرقابة، إلى "إشارة سعرية" يستغلها بعض التجار لرفع الأسعار بشكل استباقي.


وأضاف أنه في الحالة الراهنة، وبما أن الرسوم لم تُطبّق فعليًا، ثم جرى تعليق العمل بها، فلا يوجد أي مبرر كلفوي مباشر لزيادة أسعار السلع الموجودة في الأسواق أو تلك التي استُوردت قبل صدور القرار. وأكد أن أي زيادات من هذا النوع لا تعكس ارتفاعًا حقيقيًا في الكلفة، بل تندرج ضمن إطار التسعير التوقعي أو الانتهازي، ولا سيما في حال عدم وجود فواتير استيراد جديدة أو أعباء إضافية مثبتة.


وأشار إلى أن المشكلة الأعمق تكمن في أن جزءًا من السوق اللبنانية بات يتعامل مع القرارات الحكومية، أو حتى مع الشائعات المرتبطة بها، كذريعة لإعادة رفع الأسعار بسرعة، في حين يكون التراجع أبطأ، أو يغيب تمامًا، عند زوال الأسباب التي أدت إلى تلك الزيادات. واعتبر أن هذا الواقع يعكس خللًا في آلية انتقال الأسعار، وضعفًا في المنافسة والرقابة، فضلًا عن غياب مؤشرات سعرية شفافة تسمح بالتمييز بين الزيادات المبررة وتلك التي ترتبط بتحقيق أرباح غير مبررة.


وأكد أنه، في حال ثبوت وجود زيادات غير مبررة، فإن المسؤولية المباشرة تقع على عاتق وزارة الاقتصاد والتجارة، عبر مديرية حماية المستهلك، من خلال التدقيق في الفواتير، ومقارنة الأسعار قبل القرار وبعده، والتحقق من تاريخ المخزون، إضافة إلى مراقبة هوامش الأرباح، لا الاكتفاء بالسعر النهائي. وشدد على أن المطلوب لا يقتصر على تنظيم محاضر الضبط، بل يشمل أيضًا إلزام المخالفين بتصحيح الأسعار فورًا، ونشر نتائج الرقابة بصورة دورية لتعزيز الشفافية والردع.


ولفت إلى أن فعالية الرقابة تبقى مرتبطة بكثافة الجولات الميدانية، وسرعة معالجة المخالفات، وحجم العقوبات مقارنة بالأرباح المحققة من المخالفات، محذرًا من أن بقاء العقوبة أقل من المكسب يجعل المخالفة جزءًا من نموذج العمل. كما شدد على أن تعليق القرار الحكومي لا يكفي وحده، بل يجب أن يرافقه تعميم واضح إلى الأسواق يقضي بإلغاء أي زيادات استندت إلى رسوم لم تُطبّق، مع إجراء تدقيق فوري في السلع التي شهدت ارتفاعات غير مبررة.


وأكد أن السوق لا تُدار بالنوايا، بل بسياسات واضحة ورقابة فعّالة، لافتًا إلى أن أي إعلان حكومي غير محسوب، في بيئة اقتصادية حساسة، قد ينعكس على الأسعار قبل أن ينعكس على الإيرادات، ما يفرض على الدولة الدقة في قراراتها، والسرعة في توضيحاتها، والحزم في الرقابة لحماية المستهلك ومنع تحميله كلفة قرارات لم تدخل حيّز التنفيذ.


وفي الختام، تبدو حركة الأسعار في هذه المرحلة انعكاسًا لمزيج من عوامل اقتصادية فعلية من جهة، وتوقعات مرتبطة بالقرارات الحكومية من جهة أخرى، وهو ما يجعل السوق أكثر حساسية وسرعة في التفاعل مع أي مستجدات. وفي ظل هذا الواقع، تبرز أهمية تعزيز الدور الرقابي للحد من أي زيادات غير مبررة، وضبط آليات التسعير بما يضمن حماية المستهلك والحفاظ على استقرار السوق.