مع كل ضريبة جديدة تفرضها الحكومة، يعود القلق إلى المواطن اللبناني ويسأل: هل سترتفع الأسعار مجددا؟ في بلد يعاني أصلا من واقع اقتصادي صعب وأزمات معيشية وتراجع في القدرة الشرائية، ليشكل أي قرار مالي إضافي عبئا وخطرا مباشرا على حياة الناس اليومية.
ومع صدور قرار الحكومة بفرض رسم بيئي على عدد من المستوردات تتراوح نسبته بين 1 و3%، استنادا إلى قانون إدارة النفايات الصلبة في العام 2018 والذي يقوم على مبدأ "الملوث يدفع"، عاد الجدل حول انعكاس هذه الخطوة على أسعار السلع، فيما حذر مستوردون من أن هذا النوع من الرسوم سينعكس تلقائيا على المستهلك.
في هذا السياق، أكد الصحافي والكاتب الاقتصادي منير يونس أن الرسم الجديد ليس ضريبة مستحدثة، بل هو رسم بيئي يستند إلى قانون أقر في العام 2018 لمعالجة أزمة النفايات الصلبة، موضحا أن القانون جاء بعد سنوات من أزمة النفايات، واعتمد مبدأ "الملوث يدفع" لتمويل عمليات المعالجة.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن إيرادات هذا الرسم ستذهب إلى الهيئة العليا لمعالجة النفايات، وهي هيئة متخصصة أُنشئت لتكون المرجعية المسؤولة عن هذا الملف، بعدما بقي لسنوات موزعا بين الدولة والبلديات، مشددا على أن الهدف من الرسم هو تمويل معالجة النفايات وليس تمويل إعادة الإعمار.
وفي ما يتعلق بتخوف المستوردين من انعكاس الرسم على الأسعار، اعتبر يونس أن مسؤولية الحد من أي ارتفاع غير مبرر تقع على عاتق وزارة الاقتصاد، لافتا إلى أن لبنان يشهد أصلا زيادات كبيرة في الأسعار وهوامش أرباح مرتفعة، فيما تعد نسبة التضخم من بين الأعلى عالميا، كما أن وزارة الاقتصاد أقرت سابقا بوجود زيادات غير مبررة في الأسواق. وأشار إلى أن تشديد الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والمبالغة في هوامش الأرباح يمكن أن يخفف أو يجنب المواطنين تحمل كلفة هذا الرسم، إذا قامت الوزارة بدورها الرقابي بفعالية.
ولفت إلى أن المشكلة الأساسية في لبنان تكمن في بنية النظام الضريبي، إذ إن ما بين 70 و80 % من إيرادات الدولة يأتي من الضرائب والرسوم غير المباشرة، مثل الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة، وهي ضرائب يدفعها جميع المواطنين بغض النظر عن قدرتهم الشرائية، فيما تشكل الضرائب على الأرباح والشركات نسبة محدودة من الإيرادات. وقال إن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يدعوان منذ سنوات إلى إصلاح النظام الضريبي ليصبح أكثر عدالة، بحيث ترتفع مساهمة أصحاب الأرباح ورؤوس الأموال، بدل الاعتماد بصورة أساسية على الضرائب التي تطال عموم المواطنين.
وتحدث يونس أيضا عن وجود تقصير من الدولة في جباية إيرادات مستحقة من مصادر أخرى، مثل التعديات على الأملاك البحرية ومخالفات شركات الإسمنت، معتبرا أن هذه القطاعات تمثل لوبيات نافذة لا تزال الدولة تتردد في فرض الجباية الكاملة عليها.
وخلص إلى أن العبء الأول يقع اليوم على وزارة الاقتصاد، داعيا إياها إلى مكافحة الاحتكار ومنع الزيادات غير المبررة في الأسعار. وحذر من أن أي تقاعس في هذا المجال سيؤدي، كما جرت العادة، إلى تحميل المواطن الكلفة النهائية.
وبين أهداف الدولة في تأمين الإيرادات لتمويل معالجة النفايات وغيرها من الأزمات المتراكمة، وتخوف المواطنين من موجة غلاء جديدة تطال الأسواق، يبقى الرهان على قدرة الدولة اللبنانية ووزارة الاقتصاد على ضبط السوق ومنع تحميل المواطن العبء الكامل للقرار.