June 08, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

طوني بولس: نجاح BetArabia فرصة للاقتصاد اللبناني لا ساحة للصراعات

لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة إدراجه على اللائحة الرمادية لـFinancial Action Task Force، فيما تتزايد التحذيرات من خطر انتقاله إلى اللائحة السوداء إذا لم ينجح في معالجة الأسباب البنيوية التي أدت إلى هذا التصنيف، وفي مقدمتها اقتصاد الكاش، وتفشي الأسواق الموازية، وضعف الرقابة على التدفقات المالية في قطاعات عدة.

المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في وجود سوق سوداء أو اقتصاد غير شرعي، فهذه الظاهرة موجودة بدرجات متفاوتة في دول كثيرة، بل في حجم النفوذ الذي تتمتع به هذه الأسواق داخل مؤسسات الدولة نفسها، وقدرتها على التأثير في القرار السياسي والإداري والقضائي، بما يسمح لها بمنافسة الاقتصاد الشرعي وإضعافه بدل محاصرته.

ويبرز قطاع ألعاب الميسر كأحد النماذج الأكثر وضوحا على هذا الواقع. فمن جهة، هناك سوق شرعية تعمل ضمن الأطر القانونية والتنظيمية اللبنانية، وتخضع للرقابة المالية والضريبية، وتؤمن إيرادات مباشرة للخزينة اللبنانية، وتلتزم بالمعايير الدولية الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والامتثال المالي. ومن جهة أخرى، توجد سوق سوداء واسعة تعمل خارج الرقابة الرسمية، تستفيد من اقتصاد الكاش، وتتحرك في بيئة تفتقر إلى الشفافية والمحاسبة.


المفارقة الخطيرة أن المعركة في لبنان لا تبدو دائما بين الدولة والسوق السوداء، بل في كثير من الأحيان بين المؤسسات الشرعية التي تدفع الضرائب وتلتزم بالقوانين وبين شبكات غير شرعية تمتلك نفوذا وحماية سياسية وقضائية وإدارية تجعلها قادرة على الاستمرار والتوسع.


في هذا السياق، أكد الصحافي طوني بولس أن شركة BetArabia تمثل نموذجا مختلفا يستحق التوقف عنده، معتبرا أنها تمكنت من تطوير نشاطها خارج الحدود اللبنانية والوصول إلى أسواق إقليمية ودولية، مقدمة نموذجا لشركة لبنانية قادرة على المنافسة العالمية ضمن الأطر القانونية والرقابية المعتمدة. وأشار إلى أنه من المفترض أن يشكل هذا النجاح حافزا للدولة اللبنانية لتعزيز هذا النموذج وتشجيع تكراره في قطاعات أخرى، لا أن يتحول إلى هدف لصراعات تخدم مصالح السوق الموازية.


ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنه في معظم دول العالم، تقوم السلطات بحماية الاقتصاد الشرعي ومحاصرة الاقتصاد غير الشرعي، أما في لبنان فتبدو الصورة أحيانا معكوسة، بحسب رأيه، حيث تجد المؤسسات التي تعمل وفق القوانين نفسها مضطرة إلى خوض معارك استنزاف طويلة فيما تستمر الأسواق السوداء بالعمل والتوسع والاستفادة من الثغرات والنفوذ السياسي، مشيرا إلى أن هذه هي المشكلة الحقيقية التي تراقبها الشركات المالية.


ولفت بولس إلى أن المسألة لا ترتبط فقط بإصدار قوانين جديدة أو إعداد خطط إصلاحية، بل بمدى قدرة الدولة على فرض القانون على الجميع وإعادة النشاط الاقتصادي إلى القنوات الرسمية الخاضعة للرقابة، مؤكدا أن كل دولار ينتقل من السوق السوداء إلى الاقتصاد الشرعي يعني زيادة في الشفافية، وتحسنا في قدرة الدولة على الجباية، وتراجعا في مخاطر تبييض الأموال والتمويل غير المشروع.


وأوضح أن نجاح شركات لبنانية قادرة على التوسع إقليميا ودوليا لا يمثل مكسبا لهذه الشركات فقط، بل يشكل فرصة حقيقية للبنان لاستقطاب تدفقات مالية واستثمارات وأسواق جديدة، مؤكدا أنه وصول شركة لبنانية إلى العالمية، يعني مساهمتها في تصدير الخدمات والخبرات اللبنانية وجذب الأموال من الخارج إلى الداخل، وهو ما يحتاجه الاقتصاد اللبناني بشدة في هذه المرحلة.


واعتبر بولس أن الأولوية الوطنية يجب أن تكون واضحة: حماية الاقتصاد الشرعي، وملاحقة الاقتصاد غير الشرعي، وتجفيف منابع السوق السوداء في ألعاب الميسر كما في سائر القطاعات، مشددا على أن خروج لبنان من اللائحة الرمادية، واستعادة الثقة الدولية، وإعادة الانتظام المالي والنقدي، لن تتحقق عبر الضغط على المؤسسات الملتزمة بالقانون، بل عبر مواجهة المنظومات التي تعيش خارج القانون وتستفيد من الفوضى.


ورأى أن المعركة الحقيقية ليست بين شركات متنافسة، بل بين نموذجين للبنان: لبنان الاقتصاد الشرعي المنفتح على العالم والمعايير الدولية، ولبنان السوق السوداء والكاش والاقتصاد الموازي، لافتا إلى أن أي دولة تريد استعادة مكانتها المالية والاقتصادية لا يمكن أن تتردد في اختيار أي من هذين النموذجين ليمثل مستقبلها.


في الخلاصة، تبقى الدولة اللبنانية أمام تحد أساسي وهو قدرتها على ترسيخ الاقتصاد الشرعي وتوسيعه على حساب الاقتصاد الموازي، بما يضمن استعادة تدريجية للثقة والانتظام المالي في البلاد.