June 17, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

غسان أبو عضل: المودع أمام خيارين.. إما التنازل عن مبالغ كبيرة من مدخراته أو الانتظار

في ظل استمرار الأزمة المالية في لبنان، تعود بوالص التأمين الادخارية إلى الواجهة من جديد، بعدما بدأت المصارف وشركات التأمين المرتبطة بها التواصل مع عدد من المشتركين، في محاولة لإعادة هيكلة هذه البوالص أو تصفيتها عبر تسويات تقل عن قيمتها الفعلية، ما يضع المدخرين أمام خيارات محدودة وخسائر محتملة تراكمت خلال سنوات الأزمة.

هذه البوالص، التي تشمل برامج التقاعد والتعليم الجامعي والتوفير، كانت تسوق قبل العام 2019 على أنها أدوات ادخار آمنة تستند إلى قوة النظام المصرفي، قبل أن تتحول مع الانهيار المالي وتعدد أسعار الصرف إلى أموال عالقة تدار اليوم ضمن تسويات جزئية ومعقدة.

في هذا السياق، أكد الخبير المالي والمصرفي غسان أبو عضل أن هذا الملف ليس جديدا، موضحا أنه في التداول منذ نحو ثلاث سنوات. ولفت إلى أن أصحاب بوالص الادخار وبوالص التأمين على الحياة المرتبطة بالمصارف كانوا يتلقون عروضا منذ سنوات، خصوصا في الفترات التي كان فيها سعر الدولار يتداول عند مستويات 8000 ليرة ثم 12000 ليرة وما فوق، حيث طرحت عليهم خيارات لتصفية البوالص بقيم متفاوتة أو استردادها بالدولار مع خصومات تراوحت بين 75 و80%.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن ما يطرح اليوم من حديث عن تسويات قد تصل إلى 40% ليس واضحا بالكامل، مشيرا إلى أن معظم هذه الحالات تُعامل معها سابقا عبر تسويات واتفاقات بين المصارف والعملاء، إذ وافق عدد كبير منهم على عروض مشابهة خلال السنوات الماضية.


ولفت أبو عضل إلى أن المبالغ المرتبطة بهذه البوالص، إجمالا، ليست كبيرة جدا وقد تصل إلى 100 ألف دولار في بعض الحالات، لكنها تتراوح في معظمها بين 5 آلاف و15 ألف دولار، مشيرا إلى أن متوسط هذه الحسابات لم يكن مرتفعا، كما أن أعدادها لم تكن كبيرة. ورأى أن جزءا كبيرا منها أقفل خلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية. وأوضح أنه في حال حُولت اليوم هذه المبالغ من حساب البوليصة إلى حساب مصرفي، فهي تودع كـ "لولار"، ولا تخضع بالتالي لأي من التعميمين 158 أو 166.


واعتبر أن هذه الملفات تحتاج إلى تصفية وانتظار لحين صدور حل شامل للأزمة المصرفية، أو ما يعرف بـ "قانون الفجوة المالية"، من أجل تحديد آلية التعامل مع هذه الحسابات، مشيرا إلى أن هذه المبالغ قد تحتسب لاحقا ضمن مجموع الحسابات الأخرى للعميل في حال كان لديه حسابات مصرفية إضافية، بما يحدد القيمة الإجمالية التي سيعاد له جزء منها في أي تسوية مستقبلية.


وشدد أبو عضل على أن الخسائر التي تحملها أصحاب بوالص التأمين الادخارية توازي إلى حد كبير الخسائر التي يتكبدها المودعون في الحسابات المصرفية، وربما تفوقها في بعض الحالات، معتبرا أن جزءا من أصحاب الودائع المصرفية التي كانت تقل عن 40 أو 50 ألف دولار قد تمكنوا حتى اليوم من سحب أموالهم أو قسم كبير منها وفق التعميم 158، ما جعل خسائرهم أقل نسبيا مقارنة بغيرهم.


ولفت إلى أن المودعين الذين استفادوا من هذا التعميم خسروا الحد الأدنى الممكن ضمن الأزمة، إلا أن من لم يتمكنوا من السحب أو لم تشملهم هذه الآلية باتت خسائرهم أكبر مع مرور الوقت. وقال إن بعض الأموال المرتبطة ببوالص الادخار قد تكون أيضا جزءا من النظام المصرفي، وبالتالي ستحتسب لاحقا ضمن المعالجات الشاملة، ما يجعل حجم الخسائر النهائي غير محسوم بعد وقد يكون كبيرا.


أما في ما يتعلق بالخيارات والإجراءات المتاحة، فأشار أبو عضل إلى أن المعالجة تحصل "حالة بحالة"، بحسب وضع كل عميل على حدة، موضحا أن الشخص الذي لا يملك أي حسابات مصرفية ولا يتعامل مع أي بنك، ولا يستفيد من أي من التعميمات القائمة، قد يختار الانتظار، على أمل صدور حل شامل للأزمة المصرفية أو ما يعرف بـ "قانون الفجوة المالية"، والذي قد يتيح لاحقا استرداد جزء كبير من أمواله خلال فترة قد تمتد إلى سنة أو أكثر.


وأكد أن بعض العروض المطروحة اليوم قد تصل إلى حدود 40 أو 50% من القيمة، إلا أن هذه النسب تبقى غير مؤكدة بالكامل، خصوصا وأن عروضا سابقة كانت أدنى بكثير، إذ وصلت في بعض الحالات إلى 20 أو 25% فقط، ما يعكس حجم الخسائر التي لحقت بهذه المدخرات، مشددا على أن هذه الطروحات تضع الناس أمام خيار صعب بين القبول بخسارة كبيرة أو الانتظار، في ظل غياب حل نهائي واضح حتى الآن.


وتابع أبو عضل: الناس اليوم أمام خيارين صعبين: إما التنازل عن مبالغ كبيرة من مدخراتهم أو الانتظار، لافتا إلى أن المقاربة في هذه الملفات باتت شبيهة إلى حد كبير بما يواجهه المودعون، إن لم تكن أشد في بعض الحالات، لأن المودعين اليوم يسحبون أموالهم وفق التعميمين 158 و166، إلا أنه في حال حُولت أموالهم إلى حسابات مصرفية جديدة، فلن يكون بإمكانهم السحب وفق التعميم 158، إذا إن الأخير يطبق على الحسابات التي كانت قائمة بالدولار في المصارف قبل تشرين الأول 2019، فيما يشمل التعميم 166 الحسابات اللاحقة قبل حزيران 2023. وبالتالي، فإن أي مبالغ تودع اليوم في حسابات جديدة لا تخضع لا للتعميم 158 ولا للتعميم 166، ما يعني أنها تدخل ضمن نظام مصرفي مختلف بآليات سحب وقيود جديدة. لذلك، فإن قبول تحويل هذه الأموال إلى حسابات مصرفية يعني عمليا الخضوع لهذه الشروط، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى التريث والانتظار، في ظل غياب حل واضح ونهائي للأزمة.


وبين خيار القبول بخسارة فورية أو انتظار فرصة قد تعيد جزءا أكبر من الأموال لاحقا، يجد أصحاب هذه البوالص أنفسهم أمام واقع ضاغط يشبه إلى حد كبير ما مر به المودعون. فالحسابات المصرفية وبوالص التأمين الادخارية باتت عالقة داخل أزمة واحدة لم تحسم بعد، فيما تبدو التسويات المطروحة اليوم أقرب إلى محاولة لتقليل الخسائر تدريجيا، لا إلى حل نهائي لها.