تمثل العلاقة بين المصارف وشركات تحويل الأموال مثل Whish Money و OMT في لبنان مزيجا من التنافس والتكامل، إذ باتت هذه الشركات تؤدي دورا بديلا أسرع وأكثر مرونة لعدد من الخدمات المصرفية التقليدية، خصوصا في التحويلات وصرف الرواتب والخدمات اليومية. وفي هذا السياق، شهدت فروع شركات تحويل الأموال انتشارا واسعا في مختلف المناطق، حتى باتت تشكل مشهدا موازيا للقطاع المصرفي التقليدي، مع مفارقة واضحة تتمثل في إقفال بعض الفروع المصرفية مقابل توسع نقاط الخدمات المالية البديلة. وبذلك، تحول المشهد المالي عمليا من منطق "افتتاح فرع مصرفي" إلى "افتتاح بدائل مالية رقمية وميدانية" تخدم احتياجات المواطنين بسرعة وسهولة أكبر في ظل الأزمة، في ظل واقع يعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والنظام المالي بشكل جذري.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي المهندس إدمون شماس إنه بعد الأزمة المالية والانهيار الاقتصادي وفقدان الثقة بالقطاع المصرفي منذ 17 تشرين الأول 2019، نشأ فراغ كبير في الخدمات المالية اليومية، خصوصا بعدما فرضت المصارف قيودا على السحوبات، وخففت من خدماتها، وفقدت قدرتها على تلبية حاجات المودعين، وفي مقدمتها تسديد الودائع لأصحابها، موضحا أن القطاع المصرفي في لبنان خسر جزءا كبيرا وأساسيا من علاقته الطبيعية مع الزبائن، ما فتح المجال أمام شركات تحويل الأموال والخدمات المالية الرقمية لتغطية حاجات الناس اليومية، سواء لناحية النقد أو التحويلات أو عمليات الدفع.
ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن شركات مثل Whish Money وغيرها، لم تعد مجرد نقاط لتحويل الأموال، بل تحولت إلى منصات خدمات مالية سريعة ومرنة، لا سيما وأنها تعتمد على "الفريش كاش" وتعمل بإجراءات أبسط من المصارف، وهو ما جعل شريحة واسعة من اللبنانيين تشعر براحة أكبر في التعامل معها، نتيجة سهولة التجربة اليومية وسرعتها ووضوحها مقارنة بالمصارف التقليدية، مشيرا إلى أن الانتشار الواسع لمراكز وخدمات Whish Money وOMT في مختلف المناطق اللبنانية بات يفوق، في بعض الحالات، حضور فروع المصارف، إذ يقدر عدد هذه النقاط بالمئات، إن لم يكن بالآلاف، في مختلف أنحاء لبنان.
وتحدث شماس عن ضرورة التمييز بين "الثقة التشغيلية" و"الثقة المصرفية"، موضحا أن الناس قد ترتاح لاستخدام هذه الشركات في معاملاتها اليومية، إلا أنها لا تزال لا تعتبر بديلا كاملا وآمنا للمصارف، خصوصا في ما يتعلق بحفظ المدخرات الكبيرة أو القيام بالدور التقليدي الكامل للقطاع المصرفي، مؤكدا أن بناء اقتصاد متكامل لا يمكن أن يقوم على شركات الخدمات المالية اليومية، لأن دور هذه المنصات يبقى مرتبطا بالخدمات النقدية والتحويلات ذات القيم المحدودة، والتي غالبا لا تتجاوز عشرة آلاف دولار للعملية الواحدة، مع التشديد على أن وجود قطاع مصرفي قوي وفعال يبقى أساسيا لتحريك الاقتصاد وتمويل الاستثمارات، على الرغم من استمرار الحاجة إلى هذه الشركات حتى في ظل وجود مصارف قوية.
ومع توسع دور شركات الخدمات المالية التي لم تعد تقتصر على التحويلات، بل باتت تقدم خدمات تشبه المصارف مثل السحب والإيداع، دفع الفواتير، والـATM، أوضح أن القطاع المالي في لبنان يشهد تحولا فعليا من نموذج المصرف التقليدي إلى نموذج الخدمات المالية المرنة والسريعة. وقال: شركات تحويل الأموال والدفع الإلكتروني باتت تدخل إلى مساحات كانت تعتبر سابقا حصرية للمصارف، مثل دفع الرواتب، إصدار البطاقات، الخدمات الإلكترونية، عمليات القبض والتحويل، وحتى شبكات الـ ATM.
واعتبر شماس أن هذا التحول يخلق نموذجا جديدا من التكنولوجيا المالية المحلية Fintech، حيث أصبحت الخدمات اليومية منفصلة جزئيا عن المصرف التقليدي، ما أتاح للمواطن إنجاز جزء كبير من معاملاته من دون الحاجة إلى حساب مصرفي فعلي، مشيرا إلى أن هذا الواقع قد يغير، على المدى البعيد، مفهوم العلاقة المالية في لبنان، بحيث لا يعود المصرف المركز الوحيد للنشاط المالي الفردي، في ظل تنامي دور المنصات المالية الرقمية والخدمات البديلة.
وعند سؤاله عن احتمال تحول شركات التحويل والخدمات المالية إلى بديل فعلي عن المصارف، أوضح أن الجواب هو جزئيا نعم، ولكن ليس بالكامل، مشددا على أن القطاع المصرفي يبقى أساسيا، نظرا لحجم التحويلات المالية الكبيرة التي تمر عبره، وارتباطه بعقود دولية وأنظمة امتثال ورقابة Compliance صارمة تنظم الحركة المالية داخل لبنان وخارجه.
وأشار شماس إلى أن هذه الشركات، على الرغم من توسعها، تبقى محدودة من حيث القدرة التمويلية، في حين أن المصارف تمتلك القدرة على تمويل مشاريع واستثمارات كبرى بمليارات الدولارات، وهو دور لا يمكن الاستغناء عنه في أي اقتصاد. وقال إن الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان أدت إلى تراجع كبير في حجم الاقتصاد، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي من نحو 55 مليار دولار إلى نحو 18 مليار دولار في العام 2020، ما انعكس بشكل مباشر على دور القطاع المصرفي ووظيفته داخل الدورة الاقتصادية.
وشدد على أن إعادة بناء الدولة والاقتصاد، ورفع حجم الناتج المحلي إلى مستويات تتراوح بين 55 و60 مليار دولار، لا يمكن أن يحصل عبر شركات مثل OMT وWhish Money، لأن دورها يتركز على الخدمات المالية اليومية، وليس على تمويل الاقتصاد أو دعم النمو والاستثمار، مؤكدا، في المقابل، أن هذه الشركات قادرة على لعب دور بديل عملي في الخدمات المالية اليومية مثل التحويلات، الدفع الإلكتروني، المحافظ الرقمية، قبض الرواتب والخدمات السريعة، إلا أن المصارف تبقى صاحبة الدور الأوسع والأعمق في الاقتصاد، خصوصا في ما يتعلق بتمويل المشاريع ومنح القروض وتحريك الدورة الاقتصادية.
وفيما يخص احتمال توسع هذه الشركات نحو خدمات أوسع مثل القروض والخدمات المالية المتكاملة وتحولها إلى "مصارف رقمية"، رأى شماس أن هذا الاحتمال وارد جدا، خصوصا إذا استمر ضعف القطاع المصرفي وعدم عودته إلى أداء دوره الطبيعي، موضحا أن المصارف في لبنان، وبسبب عدم قيامها بواجباتها تجاه المودعين وعدم إيجاد حلول واضحة وسريعة لملف الودائع، إلى جانب التعطيل والتأخير في المعالجات، أدت عمليا إلى ترك فراغ كبير في السوق المالية، ما فتح المجال أمام شركات الخدمات المالية لتوسيع دورها تدريجيا.
وأفاد بأن التجربة العالمية أظهرت أن عددا من شركات الدفع والتحويل تطور لاحقا ليصبح ما يعرف بالمصارف الرقمية أو الـNeo Banks، حيث باتت تقدم خدمات متكاملة تشمل المحافظ الرقمية، بطاقات الدفع، القروض الصغيرة، خدمات التقسيط، الحسابات الإلكترونية، والاستثمارات والخدمات المالية المتكاملة.
أما في لبنان، فاعتبر أن استمرار الطلب الشعبي على الخدمات السريعة والمرنة، مع غياب أي إصلاح مصرفي حقيقي، قد يدفع نحو توسع تدريجي أكبر لهذه الشركات ضمن بيئة الاقتصاد النقدي والدولرة الحالية، مشيرا إلى أنه شخصيا بات لديه شك بأن القطاع المصرفي وأصحاب المصارف، ومعهم الطبقة السياسية، يتعمدون عدم معالجة ملف الودائع بشكل جدي، ما ينعكس سلبا على المودعين ويدفع إلى مزيد من تراجع دور المصارف، مشددا، في المقابل، على أن دخول هذه الشركات إلى مجالات مثل القروض والتمويل يتطلب أطر قانونية ورقابية دقيقة، نظرا لأن هذا النوع من الخدمات يحمل مخاطر أعلى بكثير من خدمات التحويل والدفع.
وفي ما يتعلق بالمخاطر الاقتصادية والرقابية، شدد شماس على أن النقطة الأخطر تكمن في الفجوة بين القطاع المصرفي وهذه الشركات، موضحا أن القطاع المصرفي يخضع لرقابة صارمة في ما يتعلق بفتح الحسابات والتعاملات، مع شروط دقيقة ومعايير محلية ودولية، بما في ذلك تدقيق كبير عند فتح الحسابات بالدولار والالتزام بالأنظمة العالمية.
وأشار إلى أن المصارف تخضع لرقابة مباشرة من مصرف لبنان والهيئات الرقابية، إضافة إلى التزامات دولية، في حين أن شركات تحويل الأموال تبقى أقل تشددا من حيث الرقابة، ما قد يخلق فجوة تنظيمية إذا توسع نشاطها من دون تحديث الإطار الرقابي، محذرا من أن هذا التوسع غير المنظم قد يفتح الباب أمام مخاطر كبيرة، مثل تبييض الأموال، ضعف حماية أموال العملاء، المخاطر التشغيلية والتقنية، وغياب الضمانات الكافية للزبائن، إضافة إلى توسع الاقتصاد النقدي خارج النظام المصرفي وصعوبة تتبع حركة الأموال.
وفي هذا الإطار، تحدث شماس عن تجربة بعض الكيانات شبه المالية في لبنان، مثل "القرض الحسن"، وهي جمعية وليست مؤسسة مالية مرخصة بالمعنى المصرفي، لكنها تقدم خدمات تقترب في طبيعتها من العمل المالي، وقد توسعت بشكل ملحوظ ما أثار حساسية على مستوى الاقتصاد اللبناني وثقة الناس بالنظام المالي. وقال إن الإِشكالية لا تقتصر على طبيعة هذه الجهات، بل ترتبط أيضا ببنية الدورة المالية في البلاد، إذ إن ازدياد حجم التعاملات خارج الإطار المصرفي المنظم، كما في الاقتصاد النقدي، يحد من قدرة الدولة ومصرف لبنان على ضبط السياسة النقدية ومراقبة حركة الأموال.
كما حذر من أن استمرار هذا المسار من دون أطر رقابية واضحة قد يرفع منسوب المخاطر، سواء على مستوى الاستقرار المالي الداخلي أو من ناحية احتمالات التعرض لضغوط أو عقوبات خارجية نتيجة غياب رقابة شاملة على جزء متزايد من النشاط المالي.
وعن احتمال أن يؤدي استمرار هذا الواقع إلى إضعاف القطاع المصرفي أكثر، أكد شماس الأمر، موضحا أن أي قطاع مالي يقوم أساسا على الثقة، وكلما اعتاد المواطن أكثر على بدائل خارج النظام المصرفي، كلما تراجعت حاجته للعودة إليه.
وأشار إلى أن المصارف لا تزال تعاني من أزمة ثقة حادة، في ظل القيود غير الرسمية على الودائع، وضعف التمويل، وتراجع الخدمات، وغياب خطة تعاف واضحة، ما يكرس دور شركات الخدمات المالية كبدائل تدريجية، مشبها هذا التحول بما حصل في قطاع الكهرباء، حيث تحولت المولدات الخاصة إلى أمر واقع نتيجة تأخر الدولة في تأمين كهرباء 24/24، ومع استمرار التأخير يتوسع هذا البديل، وكذلك الحال في القطاع المالي.
وحذر شماس من أن هذا المسار قد يكون مدفوعا في بعض الحالات باعتبارات مصالح قائمة لدى بعض الجهات داخل المنظومة الحاكمة، بحيث يصبح وجود قطاع بديل يخفف الضغط عن ملف الودائع ويفتح سوقا موازية للخدمات المالية، مؤكدا أن التراجع في دور المصارف، إذا استمر من دون إصلاح مصرفي حقيقي، قد يتحول من تراجع ظرفي إلى تغيير بنيوي طويل الأمد في القطاع المالي اللبناني.
واعتبر أن توسع شركات الخدمات المالية يشكل خطرا مزدوجا، إذ يسحب جزءا من دور المصارف التقليدي، وفي الوقت نفسه يؤمن استمرارية الحركة الاقتصادية في بلد يعاني من شلل مصرفي جزئي، ما يجعله نتيجة مباشرة للأزمة أكثر من كونه سببا لها، مشيرا إلى أن استمرار النمو من دون تنظيم واضح أو إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي قد يخلق منافسة غير متوازنة تضعف قدرة المصارف على استعادة دورها مستقبلا.
وشدد شماس على أن الإشكالية ليست في وجود هذه الشركات، بل في ضرورة تنظيمها وإخضاعها لمعايير رقابية واضحة مماثلة لتلك المفروضة على المصارف بموجب قانون النقد والتسليف، بما يضمن استقرار النظام المالي.
في الخلاصة، يشير المشهد الحالي إلى أن لبنان يتجه نحو نظام مالي هجين، يجمع بين قطاع مصرفي تقليدي ضعيف من جهة، وقطاع متنام من شركات الدفع والتحويل والخدمات الرقمية من جهة أخرى، فيما يبقى التحدي الأساسي في تنظيم العلاقة بين الطرفين بدل تركها تتطور بشكل عشوائي.