مع ازدياد الضغوط والعقوبات المالية المفروضة على حزب الله، بدأ الأخير يلجأ إلى أساليب بديلة لإعادة هيكلة بنيته المالية. فبعد الاستهدافات الإسرائيلية التي طالت جزءا كبيرا من فروع جمعية القرض الحسن والتي تعتبر "مصرف" حزب الله، بالإضافة إلى إجراءات اتخذتها الدولة اللبنانية ضمن مساعيها لتجفيف منابع تمويل الإرهاب وتبييض الأموال التي تستفيد منها تنظيمات وشبكات مختلفة، بما في ذلك حزب الله، وذلك عبر وضع آليات رقابية جديدة في مصرف لبنان للحد من الانفلات الناجم عن استخدام نظام الكاش الذي كان يعتمد عليه بشكل أساسي خارج أي رقابة مصرفية.
في هذا السياق، لجأ الحزب إلى استخدام أنظمة الدفع الرقمي والعملات المشفرة كإحدى الوسائل الحديثة لجمع التبرعات وتجاوز القيود المصرفية والرقابية المفروضة عليه. فهل ستنجح أساليب الحزب في إعادة هيكلة بنيته المالية وتكييفها مع الضغوط والعقوبات المتزايدة؟
في هذا الإطار، أوضح الكاتب الصحفي في الاقتصاد السياسي الدكتور مازن عبود أن البنية المالية المرتبطة بحزب الله تأثرت بشكل كبير، وهو ما يظهر من خلال الأزمة المالية التي تعاني منها البيئة الحاضنة للحزب، إضافة إلى تراجع كميات السيولة النقدية المتداولة، مشيرا إلى أن العقوبات الدولية، إلى جانب انهيار أجزاء واسعة من النظام المصرفي اللبناني، أدت إلى ازدياد ملحوظ في اقتصاد النقد (Cash Economy) في لبنان، ما خلق تحديا هيكليا دفع باتجاه ضغوط على السلطات اللبنانية لإقرار قوانين تتعلق بمعالجة الفجوة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، بهدف ضبط التدفقات النقدية غير المنظمة والحد من الأنشطة المالية المرتبطة بالحزب.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أنه حتى في حال نجاح الدولة في الحد من اقتصاد الكاش وتجفيف جزء من مصادره، تبقى القدرات محدودة في مواجهة تنامي سوق العملات المشفرة محليا وإقليميا ودوليا، خصوصا وأن التداول بهذه العملات تصاعد بعد العقوبات المفروضة على إيران وروسيا، ولا يزال يشهد توسعا مستمرا.
وأوضح عبود أن العقوبات ساهمت جزئيا في تراجع الاعتماد على الدولار، مقابل انتقال جزء من المعاملات والمدفوعات إلى قنوات تشفيرية يصعب تنظيمها ومراقبتها، معتبرا أن ملف تجفيف مصادر تمويل الحزب لم يعد مرتبطا فقط بقدرات لبنان أو مصرفه المركزي، بل بات يتجاوز الحدود اللبنانية.
ورأى أن أحد الدوافع غير المباشرة للتصعيد ضد إيران يتمثل بمحاولة تقويض شبكات واقتصادات مالية بديلة بدأت تشكل تحديا للنظام المالي العالمي القائم على اتفاقية "بريتون وودز" ومكانة الدولار، متحدثا، في هذا السياق، عن إمكان رصد مرونة أسعار البيتكوين خلال الحرب على إيران، إذ شهدت العملات الرقمية تقلبات مرتبطة بالتطورات الأمنية والسياسية، مع موجات هبوط تبعتها انتعاشات سريعة عند تدفق السيولة أو تراجع التوتر.
كما شدد عبود على أن تشديد العقوبات والقيود على التدفقات المصرفية أدى إلى ارتفاع أحجام التداول عبر منصات الـ P2P داخل إيران، مع تسجيل العملات المستقرة فروقات سعرية عن الأسعار العالمية، ما يعكس انتقال جزء من المدفوعات والتبادل التجاري إلى قنوات تشفيرية خارج الرقابة التقليدية. وقال إن الواقع ساهم في نشوء نظام مالي مواز تستفيد منه جهات حكومية وغير حكومية خاضعة للعقوبات، من بينها حزب الله، الأمر الذي يزيد من تعقيد جهود الرقابة المالية في المنطقة، خصوصا في لبنان الذي يعاني أصلا هشاشة مؤسساتية وأزمة مصرفية حادة.
وأشار إلى أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيؤدي إلى ترسيخ قنوات الدفع البديلة وتحويلها إلى سلوك مالي شبه دائم في المنطقة، ما يستدعي استجابة تنظيمية دولية منسقة، لا تبدو متوفرة في المدى القريب، خصوصا وأن تعزيز قدرات تتبع التحويلات الرقمية وتشديد الإمتثال على منصات التداول يحتاجان إلى تعاون دولي واسع لا يزال غائبا حتى الآن.
وبالتالي، لا يزال حزب الله يسعى جاهدا لإعادة هيكلة بنيته المالية في ظل الضغوط والتضييق الداخلي والخارجي، عبر البحث عن قنوات تمويل بديلة محاولا بذلك التحايل على القيود المفروضة عليه.