تتزايد المخاوف حول قدرة لبنان على الحفاظ على استقراره المالي والنقدي، خصوصا لناحية الاحتياطي الإلزامي بالعملة الأجنبية لدى مصرف لبنان، في ظل ما يعانيه البلد من أزمات اقتصادية وأمنية متلاحقة.
ومع وجود احتمال عودة توسع العمليات العسكرية في لبنان وما تفرضه من قيود إضافية على التدفقات المالية، يبرز قلق إضافي من تراجع التحويلات النقدية وإيرادات القطاع السياحي من جهة، والتخوف من محاولات الدولة اللجوء إلى استخدام احتياطي مصرف لبنان وأموال المودعين.
فهل سيتمكن مصرف لبنان من الصمود أمام عجز الدولة والضغوطات الأمنية المتزايدة، والحفاظ على ما تبقى من احتياطات واستقرار نقدي في المرحلة المقبلة؟
في هذا الإطار، أكد الكاتب والخبير الإقتصادي أنطوان فرح أن البيانات المالية التي يصدرها مصرف لبنان بشكل دوري تظهر أن الاحتياطي الإلزامي بالعملة الأجنبية لا يزال عند المستويات السابقة، باستثناء شهر شباط حيث انخفض حجم الأصول بنحو 500 مليون دولار أو أكثر بقليل، قبل أن يعاود الإستقرار ويحافظ على ثباته، مشيرا إلى أنه لا خوف حاليا على هذا الوضع المالي. وأوضح أن مصرف لبنان يعتبر الأموال التي أودعتها المصارف لديه، والتي تقدر بنحو ثمانية مليارات دولار أو أكثر بقليل، أموالا تعود للمودعين، ولذلك يرفض المس بها.
وقال عبر منصة "بالعربي" إن هناك احتياطيا آخر موجودا لدى المصرف المركزي، قسم منه يعود للدولة اللبنانية، لافتا إلى أن حجم الأصول أو الاحتياطي يبلغ اليوم نحو 11.2 أو 11.3 مليار دولار، ما يعني، بحسب رأيه، أن الوضع لا يزال تحت السيطرة.
وفي ما يتعلق بالتدفقات المالية إلى لبنان، شدد فرح على أن هذا الملف يعد "الأكثر حساسية"، إذ إن الاقتصاد اللبناني، على الرغم من الانهيار المالي والاقتصادي منذ العام 2019، تمكن من الصمود بفضل التدفقات المالية من الخارج، وفي مقدمها تحويلات اللبنانيين، إلى جانب إيرادات القطاع السياحي والتصدير، لافتا إلى أن إيرادات القطاع السياحي بدأت تتراجع، فيما لا توجد حتى الآن مؤشرات مؤكدة على تراجع التحويلات المالية، لكن هناك مخاوف من احتمال انخفاضها لاحقا، خصوصا في ظل الأزمة التي طالت دول الخليج العربي.
وأوضح أن أي تراجع في هذه التحويلات سيؤدي إلى شح في التدفقات المالية نحو لبنان، ما سيشكل مشكلة كبيرة للاقتصاد اللبناني، لافتا إلى أن الضغوط الأساسية تتمثل في محاولات دفع الدولة للحصول على أموال من مصرف لبنان، إلا أن قرار المصرف المركزي حتى الآن "واضح وصريح" بعدم تمويل الدولة من أموال المودعين. وقال إن المشكلة تبدأ في حال التراجع عن هذا القرار، لكن المؤشرات الحالية تدل على أن مصرف لبنان متمسك بموقفه، خصوصا وأن الدولة تمتلك نحو 840 مليون دولار "فريش" يمكن استخدامها في الظروف الإستثنائية بدل اللجوء إلى أموال المودعين.
وأشار إلى أن الوضع المالي لا يزال تحت السيطرة حاليا، إلا أن الخشية تبقى من المرحلة المقبلة، إذ إن ازدياد الضغوط قد يجعل قدرة المؤسسات على الصمود أكثر صعوبة.
وفي ملف سعر صرف الليرة، أوضح فرح أن مصرف لبنان لا يعتمد سياسة دعم مباشرة للعملة الوطنية، بل يقوم الإستقرار الحالي على آلية متفق عليها بين مصرف لبنان ووزارة المالية منذ منتصف العام 2013، تقوم على ضبط حجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية ومراقبة تدفقات الدولار إلى السوق، بما يحقق توازنا بين العرض والطلب.
وقال: مصرف لبنان لا يضطر، ضمن هذه الآلية، إلى بيع الدولار لشراء الليرة والدفاع عن سعر الصرف، بل إن الإستقرار يتحقق نتيجة الحفاظ على هذا التوازن النقدي، محذرا من أن أي إنفاق إضافي بالليرة اللبنانية من دون مراعاة حجم الكتلة النقدية قد يؤدي إلى انهيار جديد في سعر الصرف والدخول مجددا في مرحلة "السعر المتفلت".
ورأى فرح أن القطاع المصرفي لا يزال يتولى إدارة الأزمة منذ العام 2019، معتبرا أنه القطاع الخاص الوحيد الذي بقي في وضع استثنائي وصعب نتيجة الإنهيار، في حين تمكنت معظم القطاعات الأخرى من التأقلم مع الأزمة واستعادة جزء من نشاطها.
ولفت إلى أن أزمة القطاع المصرفي مرتبطة بغياب قرارات الدولة، باعتبار أن لبنان يواجه أزمة نظامية تتطلب تدخلا رسميا لمعالجتها، إلا أن الدولة لا تزال تماطل في إيجاد الحلول. وخلص إلى ألا خوف إضافيا على القطاع المصرفي بسبب الحرب، لأن وضعه أساسا مجمد منذ سنوات بانتظار الحلول السياسية والمالية المطلوبة.
إذا، يبدو أن الوضع المالي في لبنان لا يزال تحت السيطرة لحد الآن، إلا أن استمرار الضغوطات الاقتصادية والأمنية قد يضعان لبنان أمام مرحلة أكثر حساسية، خصوصا إذا عادت التوترات الإقليمية وتراجعت التدفقات النقدية من الخارج أو ارتفعت الضغوط على مصرف لبنان لتمويل عجز الدولة.