تحوّلت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق من محطة سياسية تقليدية إلى مسار أكثر واقعية، يفتح الباب أمام مقاربة اقتصادية وعملية بين البلدين، مع وضع ملفات النقل والترانزيت والمعابر والتبادل التجاري على طاولة البحث، إلى جانب ملف الطاقة الذي يبرز كأحد أكثر العناوين حساسية.
وفي هذا السياق، كشف وزير الطاقة والمياه جو صدي عن توجه جدي لدراسة خيار شراء الكهرباء مباشرة من سوريا، في ظل ما يُطرح عن وجود فائض في قدرتها الإنتاجية حاليا.
غير أن هذا الخيار لا يزال في مرحلة التقييم، بانتظار حسم معايير الأسعار السورية ومدى تنافسيتها، إلى جانب احتساب كلفة تشغيل المعامل واستجرار الغاز، قبل اتخاذ القرار النهائي.
ويبقى السؤال: هل يشكّل هذا المسار بداية حلّ فعلي لأزمة العتمة التي تثقل كاهل اللبنانيين يوميا؟
ومن هذا المنطلق، أوضح مدير مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية في اتحاد غرف التجارة السورية محمد غزال أن سوريا ما تزال تعاني من أزمة الكهرباء بلا شك، إلا أن هذا الملف شهد تحسنا كبيرا بعد التحرير، حيث وصلت ساعات التغذية الكهربائية اليوم في بعض المناطق إلى أكثر من 20 و22 ساعة يوميا، معتبرا أن هذا الأمر يُعد تطورا ملحوظا.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن هناك موارد متاحة حاليا في قطاع الطاقة، سواء داخلية أو خارجية، إلى جانب تكامل الجهود بين الداخل والخارج، مشيرا إلى أن العمل مستمر على قدم وساق لرفع الإنتاج المحلي بهدف تحقيق تغطية كهربائية متكاملة في كل المناطق السورية.
ولفت غزال إلى أن احتياجات سوريا من الكهرباء قد تتجاوز ما بين 10 و12 غيغاواط، مشيرا إلى أن أي فائض محتمل في الإنتاج قد يظهر خلال ساعات الذروة في بعض الأوقات، إلا أن هذا الفائض لا يمكن اعتباره مستقرا أو دائما، نظرا لتهالك البنية التحتية في سوريا، الأمر الذي يبقى مرتبطا بساعات التغذية الكهربائية المتاحة داخل البلاد.
ورأى أن إمكان تزويد لبنان بالطاقة الكهربائية قائم من حيث المبدأ، لكنه ليس مسألة سهلة، إذ يتطلب بنية تحتية وتجهيزات فنية لعمليات الإمداد من الجانبين، سواء عبر تأهيل الشبكات من الطرف السوري أو اللبناني، إضافة إلى تمديد وتطوير خطوط الربط الكهربائي بين البلدين.
وتوقع غزال أن يتحول هذا الطرح إلى خطوات عملية خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، بهدف الوصول إلى تغذية كهربائية شبه متكاملة وفقا للمخطط الموضوع، موضحا أن العملية قد تبدأ على مراحل وبكميات محدودة من الميغاواط، قبل زيادتها تدريجيا من حيث النقل والتغذية، نظرا لأن المشروع يحتاج إلى بعض الوقت لاستكمال البنية الفنية واللوجستية اللازمة.
كما لفت إلى أن دخول مورد جديد للطاقة إلى لبنان من شأنه أن يساهم في زيادة ساعات التغذية الكهربائية، خصوصا وأن بعض المناطق اللبنانية قد تكون أكثر جاهزية من ناحية البنية التحتية مقارنة ببعض المناطق في سوريا، ما قد يجعل الاستفادة أسرع داخل لبنان بالتوازي مع استكمال عمليات الربط الكهربائي بين البلدين.
وفي السياق ذاته، أكد غزال أن العلاقة بين سوريا ولبنان لا تقتصر على ملف الكهرباء فقط، بل هي علاقة تاريخية قديمة قد أعيد تصويبها والعودة بها إلى مسارها الطبيعي منذ اليوم الأول الذي تلا التحرير، وذلك من خلال الزيارات والاجتماعات المتبادلة بين الجانبين على المستويين السياسي وغيره. وقال إن هذه العلاقة تقوم اليوم على مبدأ المنفعة المتبادلة وسياسة "رابح – رابح". وأشار إلى أن ملفات مثل ضبط الحدود وأزمة النازحين تتجاوز بطبيعتها ملف الطاقة، كونها تحمل أبعادا سياسية وأمنية معقدة.
ورأى أن تسهيل الملفات الاقتصادية يمكن أن يساهم في كسر الجمود بين أي طرفين، معتبرا أن ملف الكهرباء يشكل إحدى "الفتحات" التي تساعد على تخفيف التوتر بين البلدين. ولفت إلى أن هذا الجمود قد كُسر بشكل كبير منذ اليوم الأول بعد التحرير عبر الزيارات المتبادلة بين الجانبين.
وفي هذا الإطار، شدد غزال على أن السياسة الخارجية السورية اليوم تقوم على مبدأ "صفر مشاكل"، وبالتالي من الطبيعي أن تنعكس هذه المقاربة على العلاقة مع لبنان لتكون أيضا قائمة على قاعدة خفض التوتر وتجنب الأزمات قدر الإمكان، موضحا أن أحد العناصر الأساسية في أي تعاون مشترك هو مسألة التمويل، إذ إن تنفيذ مشاريع الربط بين سوريا ولبنان يحتاج إلى مصادر تمويل واضحة، سواء من حيث توفرها أو آلياتها أو الجهات الممولة، وهو ما قد يحدد سرعة تنفيذ هذه المشاريع أو يبطئها.
وقال إن المصالح المشتركة بين البلدين لا تقتصر على ملف واحد، بل هي أوسع من ذلك، مشيرا إلى أنه في حال وجود مشاريع ربط مثل خطوط الطاقة أو الغاز العابرة، فإنها تحقق منفعة متبادلة، حيث تمر عبر سوريا بما يحقق فائدة لها وللبنان في آن معا.
ولفت غزال إلى أن غياب النزاعات والاستقرار بين الدول ينعكس إيجابيا على الجميع، لا سيما لبنان وسوريا والمنطقة ككل، بينما يؤدي التوتر إلى خسارة مشتركة للطرفين وتعطيل الفرص الاقتصادية والتنموية.
في الختام، تخرج "دبلوماسية الكهرباء" من ساحات السياسة إلى أرض الاختبار، في مشروع يحتاج إلى عام من التمويل والتأهيل قبل أن يصبح واقعا. وعلى الرغم من أن المصالح المشتركة أسهمت في تحريك عجلة التنسيق الاقتصادي بين لبنان وسوريا، يبقى الحكم في النهاية للتنفيذ: إما كهرباء تخفف العتمة، أو وعود جديدة تُضاف إلى سجل الأزمات.