بعد تداول أخبار شائعات خلال الفترة الأخيرة عن إمكان انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية وارتفاع الدولار إلى مستويات قياسية، أصدر مصرف لبنان بيانا توضيحيا بهدف طمأنة اللبنانيين إلى واقع الوضع النقدي وموجوداته بالعملات الأجنبية، نافيا وجود أي مؤشرات إلى انهيار مالي وشيك.
وأكد المصرف أن احتياطاته بالعملات الأجنبية ارتفعت بنحو 372 مليون دولار بين نيسان 2025 ونيسان 2026، رغم التراجعات الظرفية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية والأمنية، مشددا على استمرار السياسة النقدية في الحفاظ على الاستقرار النقدي وحماية أموال المودعين.
في هذا الإطار، أوضح كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل أن مصرف لبنان لا يعتمد عادة إصدار بيانات توضيحية متكررة بشأن حجم احتياطاته، إلا أن البيان الأخير جاء ردا على ما وصفه بـ"الشائعات والتهويل" التي روجت لانهيار وشيك في الاحتياطات النقدية ولتدهور سعر صرف الليرة اللبنانية.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن بعض الجهات تتعمد، وفق تعبيره، نشر أجواء سلبية بطريقة ممنهجة عبر الحديث عن قرب انهيار العملة الوطنية وعدم قدرة السياسة النقدية على الصمود.
ولفت إلى أن الأرقام الفعلية تعطي صورة مختلفة عن الواقع المتداول، موضحا أن احتياطات مصرف لبنان تراجعت منذ بداية الحرب بنحو 446 مليون دولار، بينها انخفاض سُجّل خلال شهري آذار ونيسان، إلا أن النصف الأول من شهر نيسان شهد، في المقابل، ارتفاعا بقيمة 143 مليون دولار. وأضاف أن الاحتياطات ارتفعت منذ استقرار سعر الصرف في تموز 2023 وحتى نهاية نيسان من العام الحالي بنحو 2.9 مليار دولار، ما يعكس، بحسب قوله، نجاح السياسة النقدية في الحفاظ على قدر من الاستقرار المالي والنقدي.
وأشار غبريل إلى أن احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تراجعت أيضا خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2024 بنحو 530 مليون دولار، في فترة تزامنت مع ضغوط الحرب ورفع سقوف السحوبات المرتبطة بالتعاميم النقدية، إضافة إلى الظروف الأمنية التي فرضت ضغوطا إضافية على السوق النقدية. ومع ذلك، شدد على أن التراجع الحالي يبقى أقل حدة مقارنة بما سُجّل في نهاية عام 2024، رغم استمرار التوترات.
وفي ما يتعلق بالكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، أكد غبريل أن مصرف لبنان تمكن من ضبطها بشكل فعال، موضحا أن قيمة الكتلة النقدية الحالية تبلغ نحو 62 ألف مليار ليرة لبنانية، أي ما يمثل تراجعا بنسبة 22% مقارنة بنيسان 2025. واعتبر أن السيطرة على الكتلة النقدية تشكل عاملا أساسيا في الحد من الضغوط على الدولار وعلى معدلات التضخم، وبالتالي في حماية استقرار سعر الصرف.
كما أشار إلى وجود تنسيق واضح بين مصرف لبنان ووزارة المالية لعدم الخضوع لضغوط سياسية أو شعبوية تهدف إلى زيادة الإنفاق العام بشكل عشوائي، رغم الاعتراف بوجود حاجات ملحة مرتبطة بالحرب والنزوح. وأوضح أن المالية العامة سجلت فائضا يوازي 0.4% من الناتج المحلي في عام 2024، وفائضا إضافيا يوازي 3.3% في عام 2025، ما يعني تحقيق فائض يقارب ملياري دولار خلال العامين.
وفي ما يخص أموال المودعين وارتباطها بملف إعادة الإعمار، شدد غبريل على أن الاحتياطات الإلزامية الموجودة لدى مصرف لبنان، والتي تبلغ نحو 11 مليارا و400 مليون دولار، تشكل بمعظمها أموالا تعود للمودعين، ولن يتم المساس بها مهما بلغت الضغوط أو التحديات. وأكد أن هذه الأموال يجب أن تعاد إلى أصحابها ضمن أي خطة تعافٍ مالي مستقبلية، مشيرا إلى أن مصرف لبنان واضح في هذا الموقف.
وتابع، في ملف إعادة الإعمار، أن مصرف لبنان ليس الجهة المعنية بتمويل هذه العملية من احتياطاته بالعملات الأجنبية، وأن المصرف لن يمس بتلك الاحتياطات مهما كانت الظروف والضغوط، معتبرا أن إعادة الإعمار يجب أن تستند إلى مصادر تمويل خارجية ودعم دولي، وليس إلى أموال المودعين أو إلى فرض أعباء إضافية على المواطنين اللبنانيين.
وأشار إلى أن المجتمع الدولي أبدى، منذ انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، دعما سياسيا وديبلوماسيا واضحا للبنان، إلا أن هذا الدعم لم يترجم حتى الآن إلى مساعدات مالية أو استثمارات فعلية، بانتظار تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وإجراء إصلاحات أساسية وإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
كما لفت إلى أن حجم الخسائر الناتجة عن الحرب لم يتضح بالكامل بعد، سواء على مستوى البنى التحتية أو الاقتصاد، بسبب غياب المسوحات الميدانية النهائية.
وختم غبريل بالإشارة إلى أن إعادة الإعمار يمكن أن تعتمد على مصدرين أساسيين: الأول يتمثل بالسعي لاستخدام جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج بإشراف دولي، والثاني عبر مقاضاة إسرائيل والمطالبة بتعويضات عن الأضرار الواسعة التي لحقت بلبنان. وشدد على أن المواطن اللبناني لا يجب أن يتحمل كلفة إعادة إعمار حرب لم يخترها وجرّ إليها من خارج إرادته.
ويبقى مصرف لبنان وحاكمه كريم سعيد أمام تحد كبير يتمثل في الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي والاقتصادي، رغم التعقيدات الأمنية والسياسية التي يعيشها لبنان. غير أن المخاوف تبقى قائمة من أن يؤدي أي تصعيد أمني واسع أو عودة الحرب مع إسرائيل بوتيرة أعلى، وفي ظل تراجع الإيرادات، إلى ضغوط مالية ونقدية كبيرة قد تدفع الأوضاع الاقتصادية في البلاد إلى مستويات تتجاوز قدرة الدولة والمصرف المركزي على احتوائها والسيطرة عليها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفلت سعر الصرف.