March 25, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

محاسن مرسل: ظهور تدريجي لقيود على التحويلات من الخارج وتوقعات بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي

في ظل تسارع التحوّلات الإقليمية والاضطرابات المتصاعدة في أسواق الطاقة العالمية، يدخل لبنان مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية المعقدة، تتجلى في ارتفاع غير مسبوق في الأسعار يطال مختلف تفاصيل الحياة اليومية. وترتبط هذه التطوّرات بشكل مباشر بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، ما يجعل الاقتصاد اللبناني أكثر عرضة للتقلّبات الخارجية.

وقد انعكس إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالميًا سريعًا على الداخل اللبناني، حيث سجلت أسعار المحروقات ارتفاعًا حادًا، مع اقتراب سعر صفيحة البنزين من 25 دولارًا. ولم يقتصر تأثير هذا الارتفاع على قطاع النقل، بل امتد إلى كلفة إنتاج الكهرباء، سواء عبر اشتراكات المولدات الخاصة أو نتيجة ارتفاع أسعار المازوت، ما ضاعف الأعباء المعيشية على المواطنين.

كما شهدت أسعار السلع الأساسية، لا سيما المواد الغذائية، ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة زيادة كلفة الاستيراد والنقل، الأمر الذي يضع الأمن الغذائي تحت ضغط متزايد، خصوصا في ظل اعتماد لبنان بشكل كبير على الخارج لتأمين حاجاته الأساسية.


وفي هذا السياق، تتصاعد المخاوف من دخول البلاد في حالة شبه حصار اقتصادي غير معلن، في ظل هشاشة الوضع المالي وغياب المعالجات الجدية، إضافة إلى التصعيد الأمني في المنطقة وما يحمله من احتمالات مفتوحة.


وفي هذا الإطار، أشارت الكاتبة والباحثة الاقتصادية والمالية محاسن مرسل إلى أن المرحلة المقبلة، وتحديدًا الأسبوعين المقبلين، ستكون حاسمة، خصوصًا في ما يتعلق بمسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. وقالت: نجاح هذه المفاوضات قد يؤدي إلى إعادة انتظام حركة الملاحة البحرية، ما يخفف الضغط عن أسعار النفط، فيما سيؤدي فشلها إلى استمرار موجة الغلاء وربما تفاقمها.


وفي ما يخص الأمن الغذائي، أكدت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن لبنان لا يزال ضمن هامش الأمان حاليا، في ظل الحديث عن مخزون استراتيجي من القمح والمواد الغذائية يكفي لشهرين إلى ثلاثة أشهر، إلا أن هذا الواقع يبقى مرتبطا بمدى قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا طال أمد الأزمة، لافتة إلى أن الغلاء المعيشي أصبح ملموسا، حيث تراوحت نسب ارتفاع الأسعار في خلال الأسبوعين الماضيين بين 10% و40%، قبل أن تشهد الأسواق نوعا من الاستقرار النسبي، إلا أنه استقرار هش، قابل للاهتزاز مع أي ارتفاع جديد في أسعار المحروقات، نظرًا لانعكاسها المباشر على كلفة التشغيل والإنتاج.


وتحدثت مرسل عن وجود تحديات إضافية تتعلق بالتحويلات المالية من الخارج، التي تُعدّ شريانا حيويا للاقتصاد اللبناني، موضحة أن بعض القيود بدأت تظهر على سقوف التحويل عبر الشركات المالية، في ظل الحاجة المتزايدة للعملة الصعبة داخل البلاد. ويزداد القلق مع احتمال تأثر هذه التحويلات نتيجة التوترات الأمنية في دول الخليج، التي تُعتبر المصدر الأساسي لدعم آلاف العائلات اللبنانية، على أن تتضح صورة هذا الملف في خلال شهري نيسان وأيار.


وفي سياق متصل، انتقدت غياب الإجراءات الحكومية الفعّالة لمواجهة هذه الأزمة، معتبرة أن المعالجات الحالية لا ترقى إلى حجم التحديات. وقالت: مع استمرار هذا النهج، يتجه لبنان نحو أزمة اقتصادية أعمق ستظهر ملامحها بشكل أوضح مع انحسار التوترات، حين تبدأ الخسائر الفعلية بالظهور في مؤشرات الاقتصاد الكلي.


وبحسب مرسل، تشير التقديرات الأولية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي قد يتراجع في خلال الشهر الأول من الأزمة بما يتراوح بين 1.35 و1.5 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الخسائر الكبيرة التي يتكبدها الاقتصاد اللبناني، لا سيما في ظل الأضرار التي لحقت بمناطق حيوية اقتصاديا، سواء في الجنوب أو الضاحية الجنوبية أو البقاع.


في المحصلة، يقف المواطن اللبناني اليوم في قلب معادلة قاسية، يواجه تراجعًا مستمرًا في قدرته الشرائية وارتفاعًا متسارعًا في كلفة المعيشة، وسط غياب أي أفق واضح للحلول. وبين اقتصاد مثقل بالأزمات وتطورات إقليمية مفتوحة على مختلف الاحتمالات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: إلى متى يمكن للبنانيين الصمود، وكم سيدفعون بعد من أثمان في المرحلة المقبلة؟