March 15, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

موريس متى: لبنان يحتاج لإحتياطي استراتيجي من المحروقات لمواجهة أي طارئ

مع استمرار الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، بالتوازي مع المواجهة القائمة بين إسرائيل وحزب الله على الجبهة اللبنانية، تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية، مالية واجتماعية قاسية قد يواجهها لبنان في المرحلة المقبلة.

فالتصعيد العسكري في المنطقة لا ينعكس فقط على الواقع الأمني والسياسي، بل يمتد سريعًا إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ما يضع الدول الهشة اقتصاديًا أمام ضغوط إضافية، وفي مقدمها لبنان الذي لا يزال يعاني من تداعيات الإنهيار المالي الذي بدأ منذ العام 2019.

وتزداد هذه المخاوف مع تصاعد الحديث عن احتمال إغلاق إيران مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. فمثل هذا التطور من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، كلفة الشحن والتأمين البحري، وهو ما سينعكس مباشرة على بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتأمين حاجاته الأساسية.


أمام هذه المعطيات، يطرح السؤال حول مصير الأوضاع الاقتصادية، المالية والاجتماعية في لبنان وكيف يمكن للحرب المستعرة في المنطقة، لا سيما في حال إغلاق مضيق هرمز، أن تؤثر على الواقع المعيشي في بلد يئن أصلًا تحت وطأة أزمة اقتصادية غير مسبوقة.


في قراءة لتداعيات تلك الحرب على لبنان والمنطقة، أشار الصحافي الاقتصادي موريس متى إلى أن إمكانية إقفال مضيق هرمز تعد من أخطر التطورات التي قد تنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وعلى لبنان بشكل خاص، موضحًا أن تداعيات مثل هذا الحدث لا يمكن فصلها عن الواقع اللبناني الهش وعن طبيعة الاقتصاد المحلي الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج.


ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن مضيق هرمز يعد من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره يوميًا ما يقارب 21 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. كما أن جزءًا كبيرًا من النفط الذي تستهلكه الدول الآسيوية ينطلق من الشرق الأوسط عبر هذا المضيق قبل أن يصل إلى أسواقه النهائية. وقال إِن هذا الممر البحري لا يقتصر دوره على نقل النفط فقط، بل يمر عبره أيضًا جزء مهم من التجارة العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملًا مؤثرًا على الاقتصاد الدولي بأسره.


وأوضح متى أن التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة أدت بالفعل إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط العالمية، وهو ما دفع شركات النقل البحري والناقلات الكبرى إلى البحث عن بدائل لنقل الإمدادات النفطية والتجارية. وبيّن أن هذه البدائل، مثل المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس أو الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، تزيد بشكل كبير من مدة الرحلات البحرية وقد تمتد إلى أيام وأسابع إضافية، ما يرفع كلفة النقل، التأمين والشحن بشكل ملحوظ.


وأشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط ترافق مع زيادة كبيرة في كلفة الشحن البحري والتأمين على البضائع بسبب ارتفاع مستوى المخاطر في المنطقة، مؤكدًا أن هذه الزيادات ستنعكس بشكل مباشر على أسعار السلع المستوردة في لبنان.


وذكر متى بأن الاقتصاد اللبناني يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين معظم احتياجاته، سواء كانت مواد أولية للصناعة أو سلعًا استهلاكية. وقال إن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل ينعكس مباشرة على أسعار المحروقات في لبنان، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع كلفة تشغيل المولدات الكهربائية، كلفة النقل والإنتاج الصناعي. كما أن عَددًا من القطاعات الإنتاجية في البلاد تعتمد على الفيول أو المحروقات في عملياتها التشغيلية، ما يعني أن أي ارتفاع في هذه الكلفة سينعكس تلقائيًا على أسعار السلع في السوق المحلية.


أضاف إن ارتفاع الأسعار لا يقتصر على السلع الكبرى فقط، بل يشمل حتى السلع اليومية مثل الخبز، مُوضِحًا أن القمح قد لا يكون ارتفع سعره بشكل مباشر بعد، لكن كلفة النقل، التأمين، التغليف والمواد المستخدمة في عملية الإنتاج ارتفعت، وهو ما يؤدي في النهاية إلى زيادة سعر ربطة الخبز.


ولفت متى إلى أن جزءًا من هذه الزيادات قد يَظهر تدريجيًا بسبب طبيعة العقود التجارية التي تعتمدها الشركات المستوردة، حيث تكون غالبًا عقودًا طويلة الأجل. وبالتالي فإن أثر ارتفاع الأسعار العالمية قد لا يظهر فورًا بل بعد أسابيع وربما أشهر، ما يعني أن موجة التضخم قد تستمر لفترة زمنية طويلة نسبيًا.


وأشار أيضًا إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا قد يؤدي إلى صعوبة في السيطرة على التضخم في الولايات المتحدة، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة. وهذا الأمر من شأنه أن يعزز قوة الدولار عالميًا، ما يزيد الضغط على الدول التي تعتمد على الاستيراد بالدولار، ومنها لبنان.


وفي ما يتعلق بالإجراءات الحكومية، أكد متى أن لبنان يفتقر إلى أي احتياطي استراتيجي فعلي من المحروقات، في حين تلجأ دول كبرى مثل مجموعة الدول السبع إلى استخدام احتياطاتها الاستراتيجية من النفط للتدخل في السوق والحد من ارتفاع الأسعار، مُوضِحًا أَن الاحتياطي المتوافر في لبنان يكفي فقط لأسابيع عِدة، وهو أمر يعكس غياب التخطيط الاستراتيجي في قطاع الطاقة.


وأشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على المحروقات، بل تشمل أيضًا الأمن الغذائي، خصوصًا بعد تدمير إهراءات القمح في مرفأ بيروت نتيجة الانفجار الذي وقع في العام 2020، ما أدى إلى فقدان القدرة على تخزين كميات كبيرة من القمح كاحتياطي استراتيجي.


وشدد متى على ضرورة وضع خطة طوارئ استراتيجية تبنى في فترات الاستقرار وليس في خلال الأزمات، وتشمل تأمين احتياطات من المحروقات، القمح والمواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى تأمين الطاقة والأدوية، مُعتبرًا أن هذه القطاعات تشكل الأعمدة الأساسية للأمن الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، أوضح أَن احتواء التوترات في المنطقة قد يحد من الأضرار الاقتصادية، لكنها ستبقى ملحوظة. أما في حال توسع الصراع جغرافيًا أو استمر لفترة طويلة، فالأضرار على الاقتصاد اللبناني قد تصبح كبيرة جدًا، خصوصًا في ظل خسارة موسم سياحي محتمل وتراجع الاستثمارات.


وقال: يعاني الاقتصاد اللبناني أساسًا من هشاشة شديدة منذ أزمة العام 2019، انفجار مرفأ بيروت وجائحة كورونا، ما يجعل أي صدمة خارجية جديدة تضغط بشكل مضاعف على البلاد، مؤكدًا، في خِتام حديث، أن مستوى التشاؤم الاقتصادي يبقى مرتبطًا بدرجة توسع الصراع وتطوراته في المنطقة في خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.