March 05, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

عودة العمل بالبطاقات الإلكترونية: كيف يثق اللبناني بالمصارف مجددا؟

منذ الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان عقب احتجاجات العام 2019، شهد القطاع المصرفي اضطرابًا واسعًا، فتوقف العمل بالبطاقات الإلكترونية واقتصر في معظم الحالات على بعض السحوبات من الصرّافات، فيما اتّسع الاعتماد على النقد اليدوي وازداد حجم الاقتصاد الموازي على حساب الشفافية والرقابة المالية.

وأخيرًا، أعلن مصرف لبنان عن إصدار تعاميم جديدة تقضي بعودة العمل بالبطاقات الإلكترونية بعد سنين من الغياب، في محاولة للحدّ من الاقتصاد النقدي وتعزيز تتبّع العمليات المالية. فهل يمكن لهذه الإجراءات أن تعيد جزءًا من الانتظام إلى النظام المالي وتخفّف من اقتصاد الكاش أم أنّ التحديات البنيوية وفقدان الثقة سيحدّان من أثرها الفعلي؟

في هذا السياق، قال الكاتب الصحفي في الاقتصاد السياسي الدكتور مازن عبّود إنّ القرار الأساسي رقم 13790 - 2026 يمثّل خطوةً نحو إعادة ترسيم البنية القانونية للاقتصاد الرقمي في لبنان، عبر إدماج الوساطة الرقمية ضمن دائرة الإشراف النقدي والامتثال، بما يوازن بين تشجيع الابتكار وضمان الاستقرار وحماية النظام المالي.


وأَشَارَ عَبر مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ هذا التوجّه يساهم في الامتثال لتوصيات مجموعة العمل المالي (FATF)، بما يحول دون انزلاق لبنان إلى اللوائح السوداء ويسهم في استعادة الثقة الدولية وتحسين تصنيفه الرقابي.


وقَالَ عبود إِنَّ القرار اختار مقاربة تنظيمية تقوم على ترك هامشٍ للسوق، تعزيز المنافسة بين مزوّدي الخدمة وتجنّب التسعير الإداري المباشر الذي قد يحدّ من الابتكار، مع الإبقاء على أداة رقابية بيد المصرف المركزي تمكّنه من التدخل عند الحاجة، موضِحًا أَنَّ هذا الخيار، على الرّغمِ مِن أهميته، قد يؤدي في بيئة هشّة كبيئة لبنان إلى تباينٍ في نسب العمولات واحتمال انتقال الكلفة إلى المستهلك النهائي، لكن المنافسة على السوق من المرجح أن تفضي إلى اعتدال في رسوم العمولة.


وأشَارَ، أيضًا، إلى أنّ هذه الخطوة تمثّل أداةً للحدّ من التبادلات النقدية وتقليص الاقتصاد الموازي، وتستجيب جزئيًا لمطالب دولية بتعزيز الشفافية وضبط الاقتصاد غير الشرعي، كما أنّ اعتماد التعاملات بالبطاقات المصرفية وربطها بمنظومة البيانات المرافقة للمعاملات (إشعارات الدفع وسجلات نقاط البيع POS إلى الفوترة الإلكترونية وتقارير الامتثال)، مُبَيِّنًا أَنَّ الدفع الإلكتروني يساهم، من منظور اقتصاد تكاليف التعامل، في خفض كلفة القياس والرقابة وتقليص مخاطر الانتهازية، مع تعزيز "الأثر الشبكي" للقبول الإلكتروني، بما يحسن انسياب المدفوعات بين مكونات القطاع الخاص وبين الدولة وموظفيها بواسطة البنوك، مما يرفع الكفاءة التخصصية.


ولَفَت عبود إلى أَنَّ حدود هذا التحوّل تبقى مرتبطة بأزمة الثقة، فالمصارف لم تستعد بعد ثقة المودعين، ما يجعل استخدام البطاقات محصورًا إلى حدّ كبير بالموظفين الذين تُحوَّل رواتبهم إلى المصارف. ومن ثمّ، يبقى أثر القرار في ضبط اقتصاد الكاش محدودًا، معتبرًا أنّ المدخل الأساسي يتمثّل في استعادة الثقة بالمصارف بوصفها محرّك الاقتصاد، عبر معالجة الفجوة المالية وإقرار التشريعات الكفيلة بحماية أموال المودعين، بحيث يمكن إعادة توجيه الاعتمادات نحو الأنشطة الأكثر جدوى اقتصاديًا.


كما بيّن أنّ انتشار استخدام البطاقات يرتبط بالتأثيرات السعرية المترتّبة على عمولات القبول (Merchant Discount Fees)، التي ينبغي أن تبقى ضمن حدود دنيا، مُؤكِّدًا أَنَّ هذا سيحصل لِأَنَّ باب المنافسة مفتوح أمام المصارف ومزوّدي الخدمة في تقديم حلول الدفع بشروط شفافة، إذ إِنَّ أي عمولات مرتفعة على التاجر قد تُترجم إلى ارتفاع في الأسعار أو فرض رسوم إضافية على حامل البطاقة، بما يخلّ بالتوازن الاقتصادي ويحدّ من جاذبية الوسيلة الإلكترونية.


وفي ما يخص مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لفت عبود إلى أنّ التحوّل إلى الدفع الإلكتروني ينسجم مع مقاربة "الإدارة القائمة على المخاطر" التي توصي بها مجموعة العمل المالي، إذ تمكّن سجلات المعاملات الرقمية من رصد الأنماط غير الاعتيادية، تفعيل إجراءات العناية الواجبة ورفع التقارير عن العمليات المشبوهة. وقَالَ إِنَّ القانون رقم 44/2015 يوفّر الإطار القانوني لهذه المنظومة، فيما تعزّز تعاميم مصرف لبنان متطلبات الامتثال، بما ينسجم مع معايير الشفافية والحوكمة الدولية.


وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، تَحَدَّثَ عَن أَنَّ الأثر على حركة السيولة في السوق يبقى رهين مستوى الثقة المؤسسية، فضعف الثقة بالقطاع المصرفي يحدّ من إحلال المدفوعات الإلكترونية محلّ النقد، ما يبقي على اقتصاد مزدوج (رسمي/نقدي)، مُوضِحًا أَنَّ تَوَسُّع الاقتصاد غير الرسمي، ضعف البنية التحتية الرقمية ومحدودية قدرات الإنفاذ تشكّل جميعها تحديات بنيوية أمام التطبيق الفعّال.


وعليه، قال عبود: تأثير القرار سَيَبقَى محدودًا ما لم يُستكمل بإصلاحات بنيوية تعالج جذور الأزمة المالية، لا سيّما إقرار القوانين المرتبطة بالفجوة المالية واستعادة أموال المودعين، مُؤكِّدًا، في الخِتَام، أَنَّهُ مِن دُونِ إعادة بناء الثقة بالمصارف، تبقى مفاعيل الانتقال إلى الدفع الإلكتروني جزئية ويَبقَى الاقتصاد النقدي منافسًا قويًا لِأَيِّ مَسَارٍ رَقمِيّ إِصلَاحِيّ.