March 05, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

الدولة أمام استحقاق تجنّب العجز.. فهل تفلح؟

لم يعد ما يشهده القطاع العام اللبناني من أزمات مالية ومشاكل في الرواتب حَدَثًا جَديدًا، بل هو نتاج سنوات طويلة من الإهمال وغياب خطة واضحة لإعادة هيكلة هذا القطاع الحيوي. على مدى سنوات، بَقِيَ النقاش محصورًا في الأرقام والزيادات، من دون النظر إلى قدرة الدولة على تنظيم القطاع العام وتحويله إلى قطاعٍ منتج. اليوم، تواجه الحكومة تحديًّا مزدوجًا: الوفاء بوعودها تجاه موظفي القطاع العام وتحسين أوضاعهم، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على استقرار المالية العامة وتجنب العجز.

فكيف ستتمكن من تحقيق زيادةٍ عادلة وواقعية للرواتب من دون المساس بقدرةِ الدولة على تمويلها؟

في هذا الإطار، أكّد الخبير الاقتصادي أنطوان فرح أنّ مشكلة رواتب القطاع العام بنيوية وأنّ أي نقاش يقتصر على الأرقام والزيادات مِن دُونِ وجود مشروع لإعادة هيكلة القطاع العام لن يحلّ الأزمة، مُتَحَدِّثًا عَن ضرورة تنظيم القطاع بحيث يصبح قطاعًا منتجًا بحجمٍ مناسب لدولة لبنان والوضع الجديد، وعلى أساس هذه الهيكلة يُقَيَّم ما يجب من زيادات للرواتب.


وأَشَارَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ الزيادات التي منحت للموظفين غير كافية وعشوائية، وأحيانًا تأتي خارج الراتب، ما يحرم الموظفين من حقوقهم الأساسية، مُعتَبِرًا أَنَّ الحلول خَارِجَ هذا الإِطَار ستكون مُوَقَّتَة، تشبه "إبرة مورفين"، تهدف لتهدئة الموظفين مُوقَّتًا بانتظارِ الحَلِّ الشَّامِل، وهذا خطأ في معالجة الأزمة.


وأَوضَحَ فرح أَنَّ الحكومة ملتزمة بموازنة متوازنة وخالية من زيادة العجز، خصوصًا في ظل شروط صندوق النقد الدولي، مُشيرًا إلى أَنَّ أَيّ تحسينات محدودة يمكن تحقيقها من خلال ضبط الجباية والحدّ من التهرب الضريبي، لكن أي زيادات ستظل غير كَافِيَة ولن تعطي الموظف حقوقه بالكامل، وفي الوقت نفسه، لن يشعر الموظف بالرضى لأنّ القطاع العام لن يكون منتجًا بهذه الطريقة.


وأكّد أَنَّ الحَلّ الصحيح يتمثل في إعادة هيكلة القطاع العام، ترسيم حدود الحاجة للموظفين وإعادة توزيعهم وفق الأولويات، قبل البحث في أي زيادات. بهذه الطريقة يمكن للحكومة رفع الرواتب بشكل منطقي في خلال السنوات المُقبِلَة، من دون التأثير على المالية العامة، وضمان حقوق الموظفين ليصبحوا منتجين.


ولَفَت فرح أَيضًا إلى أَنَّ صندوق النقد الدولي يعاين موازنة 2027، والتي قد تتضمن بنودًا جديدة تشكل عبئًا إضافيًّا على الموازنة العامة، وهنا توضع الدولة اللبنانية أَمَامَ تَحَدٍّ حقيقي في كيفية معالجة الأمر.


وقَالَ إِنَّ أَيّ إنفاق إضافي يجب أن يكون مُؤَمَّن التمويل لتجنب العجز، مُستَذكِرًا تجربة سلسلة الرتب والرواتب لعام 2017، التي ساهمت في زيادة الضغط المالي على الدولة وأثّرت سلبًا على القدرة الشرائية للموظفين والطبقة الوسطى، حيث دفعوا ثَمَنَهَا في الأعوام السابقة. وتَحَدَّثَ عَن عدم رغبة أحد في تكرار هذه التجربة.


وأَوضَحَ فرح أَنَّ السلطة التنفيذية ترغب في تَحسين أوضاع موظفي القطاع العام، لكنها تقيّم قدراتها المالية بعناية، ولا يَزَال العجز والتمويل المحدود من أبرز القيود. لذلك، من المتوقع أن تكون الحلول الحالية مُوَقَّتة، بانتظار الحل الشامل الذي يشمل إعادة الهيكلة ومعالجة الفجوة المالية وإعادة الدولة إلى الوضع الطبيعي.

الدولة أمام استحقاق تجنّب العجز.. فهل تفلح؟
الدولة أمام استحقاق تجنّب العجز.. فهل تفلح؟ - 1