March 05, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

"الوطن" يتحرك في الشارع.. فمن يعيد له حقّه؟

تشهد الساحة اللبنانية تحركات متصاعدة من قبل العسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام، احتجاجًا على التراجع الحاد في الأُجور والمعاشات التقاعدية، في ظل الأَزمة الاقتصادية والمالية غير المسبوقة التي انعكست تدهورًا في القدرة الشرائية وارتِفَاعًا كَبِيرًا في كلفة المعيشة.

ويطالب المحتجون برفع الرواتب، المستحقات وتعويضات التقاعد بما يتلاءم مع معدلات التضخم ويؤمن الحد الأَدنى من العيش الكريم، بعد سنوات من الاستنزاف المالي الذي طال مداخيلهم.

وفي مقابل هذه التحركات، تبرز أحقية مطالب المحتجين الذين تآكلت رواتبهم ومعاشاتهم بشكل غير مسبوق وباتت عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات العيش الكريم.

فرفع الأُجور والمستحقات لم يعد مطلبًا فئويًا بل ضرورة اجتماعية ملحة في ظل ارتفاع كلفة المعيشة واتساع الفجوة بين الدخل والنفقات.

غير أَنَّ السؤال الذي يفرض نفسه يبقى حول مدى قدرة الخزينة العامة على تلبية هذه المطالب، لاسيما وأَنَّ معظم مداخيل الدولة من الضرائب والجبايات باتت تحصل بالدولار الأميركي وما إذا كانت هذه الإيرادات كافية وقادرة على تغطية التزامات إضافية مُستَدَامَة.

في هذا السياق، أَكَّدَ الخبير في الإقتصاد والأسواق المالية الدكتور عماد عكوش أَنَّ الواقع المالي والاقتصادي الراهن، سواء على مستوى الاقتصاد الدولي أَو اللبناني، أَدَّى بفعل الأزمة الاقتصادية إلى انهيار كبير في الرواتب، لا سيما في القطاع العام خصوصًا في القطاع العسكري، مُشيرًا إلى أَنَّ هذا الانهيار ترك انعكاسات خطيرة على الأَوضاع المعيشية والاجتماعية.

 

وأَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ بعض الأمثلة تعكس حجم التراجع الحاصل، لافِتًا إلى أَنَّ الضابط المتقاعد كان يتقاضى قبل الأزمة ما معدله نحو 5 الاف دولار شهريًا، بين راتب ومنافع إضافية مثل بدل البنزين وغيرها، في حين أَنَّ هذا الدخل تراجع اليوم إلى حدود ألف دولار تقريبًا. كما أشار إلى أَنَّ العسكري المتقاعد الذي كان يتقاضى في المتوسط نحو 1100 دولار بين راتب وخدمات، بات اليوم لا يحصل إِلَّا على نحو 350 دولارًا، معتبرًا أَنَّ هذا التراجع يشكل انهيارًا كبيرًا في الرواتب.

 

وأَكَّدَ عكوش أَنَّ هذا الانهيار أَثَّرَ بشكل مباشر على حياة العسكريين المتقاعدين، خصوصًا وأَنَّ شريحة واسعة منهم تعتمد بشكل أَساسي على هذه الرواتب لتأمين متطلبات المعيشة، وفي مقدمها تعليم الأبناء، السكن، الإيجارات وسائر النفقات الاساسية.

 

وفي المقابل، أَشَارَ إلى أَنَّ اوضاع العاملين في القطاع المدني تختلف من حيث المطالب، حيث يطالب موظفو الإِدارة العامة بتسوية رواتبهم ورفعها بما يتناسب مع معدلات التضخم الحادة التي شهدها لبنان، ومع الانخفاض الكبير في القدرة الشرائية نتيجة الازمة، كما يطالبون بضم المنافع التي كانت تُعطى خارج الراتب وإدخالها ضمن الراتب الاساسي.

 

وشَدَّدَ عكوش على أَنَّ هذه التحركات لا يمكن قراءتها بمعزل عن دراسة شاملة للواقع الذي كان قائمًا قبل الأزمة وما أصبح عليه بعدها، داعيًا إلى مُقَارَبَةِ الموضوع بشكل موضوعي وعلمي. ولفت إلى أَنَّهُ يجب الأَخذ بعين الاعتبار خصوصية النظام المعتمد في لبنان بالنسبة للعسكريين، إِذ إِنَّ العسكري عند انتهاء خدمته يحصل على تعويض نهاية الخدمة إضافة إلى معاش تقاعدي، وهو أَمرٌ غير معمول به في معظم دول العالم، بما فيها الدول الأوروبية، حيث لا يجمع العسكري بين تعويض نهاية الخدمة ومعاش التقاعد كما هو الحال في لبنان.

 

وأَوضَحَ أَنَّ جميع العسكريين الذين أُحيلوا إلى التقاعد في لبنان كانوا قد تقاضوا تعويضات نهاية الخدمة، مُشيرًا إلى أَنَّ الضباط المتقاعدين قبل الأزمة كانوا يحصلون على معاشات تقاعدية تصل إلى حدود 5 الاف دولار شهريًا مع المنافع، فضلًا عن تعويضات نهاية خدمة وصفها بالخيالية، إِذ كانت تصل في بعض الحالات إلى ملايين الدولارات.

 

واعتَبَر عكوش أَنَّ هذا المستوى من الرواتب والتعويضات لا يتناسب أَساسًا مع الواقع الاقتصادي اللبناني ولا مع حجم الموازنة العامة، متسائلًا عن كيفية إمكانِ الاستمرار به، خصوصًا عند الجمع بين تعويض نهاية الخدمة والمعاش التقاعدي. كما أَكَّدَ أَنَّ الرواتب التي كانت سائدة قبل الأَزمة لا تتلاءم مع الوضع الاقتصادي ومع قدرة الدولة المالية، لافِتًا إلى أَنَّهُ لا توجد دولة في العالم تخصص نحو 50% من موازنتها للرواتب والمنافع.

 

وأَوضَحَ أَنَّ حجم الإنفاق على الرواتب كان مرتفعًا جدًا وكان يفترض منذ سنوات القيام بإعادة هيكلة شاملة لرواتب القطاع العام، بشقيه العسكري والمدني، لتصبح أقرب إلى الواقع الاقتصادي، مُتَحَدِّثًا عَن وجود فجوة كبيرة بين نظام الرواتب والتقاعد في القطاع العسكري ونظيره في الجهاز المدني، حيث أَنَّ الموظف المدني لا يحصل على معاش تقاعدي، في حين يستفيد العسكري من ذلك، ما يستدعي إِعادة هيكلة شاملة ودراسة جدية لتحقيق نوع من العدالة والمساواة.

 

وشَدَّدَ عكوش على أَنَّهُ مِن غير المقبول أَن يتقاضى البعض رواتب تقارب 7 الاف دولار في حين لا يتقاضى آخرون سوى 400 أو 500 دولار أو أَنَّ يحصل فريق على معاش تقاعدي فيما يحرم منه فريق آخر، مُعتبرًا أَنَّ هذه الاختلالات تستوجب معالجة جذرية.

 

وفي ما يتعلق بالقدرة الاقتصادية للدولة، أَكَّدَ أَنَّ الوضع الحالي لا يسمح بزيادة الرواتب، مشيرًا إلى أَنَّ نحو 80% من الموازنة العامة تذهب اليوم اإلى الرواتب والمنافع، ما يحد من إِمكَانِ أَيِّ زيادات إضافية.

 

وقَالَ عكوش إِنَّ زيادة في الرواتب تستوجب بالضرورة زيادة إيرادات الدولة، موضحًا أَنَّ السبيل الوحيد لذلك هو رفع الناتج القومي وتحقيق نمو اقتصادي فعلي.

 

وأَكَّدَ أَنَّ زيادة الضرائب ليست خيارًا مَطرُوحًا في ظل اقتصاد منهك يخرج من أزمة عميقة، مُشَدِّدًا على أَلَّا دولة في العالم تلجأ إلى رفع الضرائب في خلال الأَزمات، بل على العكس، تعتمد سياسات تحفيزية عبر تقديم تسهيلات وتخفيضات ضريبية لتشجيع الشركات على الاستثمار وخلق فرص عمل.

 

وحَذَّرَ عكوش مِن أَنَّ أَي قرار بزيادة الرواتب من دون زيادة موازية في إيرادات الدولة سيؤدي حُكمًا إلى اللجوء لطباعة المزيد من العملة الوطنية، ما يعني الدخول في موجة تضخم جديدة وتراجع إضافي في قيمة العملة الوطنية، وهو ما لا يحتمله الوضع الاقتصادي الراهن.