لم يكن إعلان إقفال فندق الكومودور مجرّد خبر سياحي عابر، ولا قرارًا إداريًا فرضته حسابات الخسارة والربح. كان حدثًا ثقيلًا على ذاكرة المدينة، أشبه بإعلان نهاية فصلٍ كامل من تاريخ بيروت الحديث.
في العاشر من كانون الثاني 2026، سيُقفل الفندق العريق أبوابه بعد أكثر من ثمانين عامًا من العمل، لتُطوى صفحة لم تكن تخصّ فندقًا فحسب، بل تختصر مدينة، شارعًا ومرحلة كاملة من حياة لبنان.
أُنشئ فندق الكومودور في العام 1943، في لحظة تاريخية تزامنت مع ولادة لبنان المستقل. لم يكن مجرّد مشروع فندقي، بل تحول إلى أحد أهم الفنادق في المنطقة وعنوانًا لازدهار بيروت وانفتاحها.
منذ بداياته، شكّل مساحة جامعة للدبلوماسيين، الصحافيين، المراسلين الأجانب، السياسيين والمثقفين. في ردهاته، كُتبت عناوين، صُنعت علاقات وتقاطعت السياسة بالإعلام والحدث بالرواية.
في خلال الحرب اللبنانية، تحوّل الكومودور إلى نقطة ارتكاز للصحافة العالمية. منه خرجت تقارير رسمت صورة لبنان في الإعلام الدولي، وفي غرفه سكن مراسلون نقلوا الحرب يومًا بيوم.
لم يُقفل حين أُقفلت بيروت، ولم يغادر حين غادر كثيرون. بقيَ شاهدًا على نكسات العاصمة كما على محاولات نهوضها، على الفرح والحزن وعلى العزّ والانكسار.
في السنوات الأخيرة، وعلى الرَّغمِ مِنَ الانهيار الاقتصادي، حاول المالكون إبقاء الفندق حيًا. حَصَلَت محاولات تحديث وترشيد، وَسطَ غياب أي سياسة رسمية لدعم السياحة أو حماية المؤسسات العريقة.
اقتصاد منهار، عملة متآكلة، سياحة شبه مشلولة ومدينة تُترك لمصيرها. فكان القرار الصعب: الإقفال النهائي في كانون الثاني 2026.
قبل الكومودور بسنوات، كانت بيروت قد تلقّت الضربة الأولى مع إقفال فندق البريستول.
لم يكن البريستول فندقًا عاديًا. كان مؤسسة سياسية وثقافية بامتياز وواحدًا من أكثر الأماكن رمزية في الحياة العامة اللبنانية.
في قاعاته، لم تُعقد حفلات فقط، بل عُقدت تسويات، مرّت مؤتمرات مفصلية والتقت نخب سياسية وفكرية شكّلت جزءًا من تاريخ الجمهورية.
مرحلة كانت فيها بيروت مركز القرار، منصة الحوار ومساحة اللقاء بين الخصوم قبل الحلفاء.
حين أُقفل، لم يُطرح السؤال الحقيقي: لماذا يُترك فندق بهذه الرمزية لمصيره؟ ولماذا تُمحى ذاكرة بهذا الحجم من دون نقاش عام؟
إقفال البريستول لم يكن حادثة معزولة، بل إنذارًا مبكرًا لمسار طويل من التفكك. يومها، سقط المكان وبقي الصمت.

اليوم، مع الكومودور، يتكرّر المشهد نفسه، لكن على نطاق أوسع: ذاكرة تُقفل، مؤسسات تُطفأ ومدينة تفقد روايتها.
لم يكن الكومودور ولا البريستول معزولين عن محيطهما. كانا جزءًا عضويًا من شارع الحمراء، الشارع الذي شكّل لعقود القلب الثقافي والسياسي للعاصمة.
اليوم، يخسر الحمراء ملامحه تباعًا: مسارح أقفلت، مكتبات اختفت، مقاهٍ تاريخية تراجعت وفنادق عريقة تُقفل واحدة تلو الأخرى.
الحمراء لا تُدمَّر بالقصف، بل تُفرَّغ بهدوء، من دون ضجيج، ومن دون محاسبة.
إقفال هذه الفنادق لا يعني خسارة مبانٍ، بل يكشف مسارًا أعمق:
غياب الدولة عن حماية الذاكرة الحضرية
ترك المؤسسات التاريخية لمصير السوق والانهيار
انعدام أي سياسة ثقافية أو سياحية طويلة الأمد
تحوّل بيروت من مدينة تصنع التاريخ إلى مدينة تستهلك ما تبقّى منه.
في بيروت، لا تموت الذاكرة فقط بالحروب. أحيانًا تُقفل الأبواب بهدوء… ولا تُفتح مجددًا.
حين أُقفل البريستول، سقطت الذاكرة بصمت.
وحين سيُقفل الكومودور في العاشر من كانون الثاني 2026، سيكون السؤال أكثر إيلامًا: كم تبقّى من بيروت قبل أن تُقفل مدينتها بالكامل؟
لن نسأل من التالي؟ بل: هل ما زال في هذه المدينة ما يستحق أن يُنقَذ… قبل فوات الأوان؟
