بعدما أشبعت الحكومة مشروع قانون الفجوة المالية درسا وتمحيصًا في خلال اجتماعيها السابقين، من المنتظر أن تستكمل هذا النقاش في اجتماعها المقرر عقده الجمعة المقبل، وسط تباين واضح في آراء الوزراء حيال هذا الملف.
ومع إعلان معظم الأفرقاء السياسيين رفضهم أو تحفظهم على المشروع، يبرز التساؤل حول مصيره في حال أحالته الحكومة إلى مجلس النواب لإقراره. فهل يتجه المجلس إلى التنصل من هذا الإقرار عبر تحويل المشروع إلى لجنة خاصة برئاسة النائب فريد البستاني، الذي سبق أن قدم طرحًا بَدِيلًا أم تطرح حلول قادرة على التوفيق بين مطالب المصارف وحقوق المودعين؟
في هذا السياق، قال المستشار المالي ميشال قزح إن القانون المتعلق بمعالجة الفجوة المالية الذي يُحَضَّر لَهُ، يكرس اقتطاعات قسرية على الودائع تتراوح بين 50 و80%، معتبرًا أَنَّ هذا التوجه يشمل مختلف فئات المودعين من دون استثناء فعلي. وأوضح أن حتى المودعين الذين تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار، والذين يُرَوَّج لفكرة أنهم يُشَكِّلُونَ نسبة تقارب 85% من إجمالي المودعين، لا يحصلون فِعلِيًّا على أَموالِهِم نَقدًا، بَل تُدفَع ودائعهم على مدى 4 سنوات وبآليات مقسطة، ومن دون إمكانية السحب النقدي، بل من خلال إنفاقها على شكل مشتريات، ما يؤدي عملِيًّا إلى خلق سوق موازية جديدة للدولار النقدي في السوق المحلية.
وحَذَّرَ عبر مِنصّة "بالعربي" من أن إقرار هذا القانون بالشكل المتداول حالِيًّا من شأنه أن يهدم آخر ما تبقى من ثقة في الاقتصاد اللبناني وفي النظام المالي، لا سِيما وأَنَّ شَرِيحَة واسعة من المغتربين كانت قد وضعت ثقتها بلبنان وبالقطاع المصرفي القائم آنذاك، وأودعت أموالها استنادًا إلى نظام مصرفي تبين لاحِقًا أنه كان يعمل وفق نموذج هرمي في خِلالِ فترات القيادة السابقة في مصرف لبنان.
وشَدَدَّ قزح على أن الخطوة الأولى المطلوبة اليوم تتمثل في القِيَامِ بِتَدقيقٍ شامل في حسابات مصرف لبنان وفي الحسابات المالية ذات الصلة، بهدف تحديد كيفية هدر الأموال أو سرقتها أو تهريبها إلى الخارج. وأشار إلى أنه بعد ثورة 17 تشرين 2019، لا يزال هناك نحو 228 حسابًا قَائِمًا، في ظل معطيات تفيد بأن شخصيات سياسية، مصرفية ونافذة قامت بتهريب أموال تراوح قيمتها بين 12 و14 مليار دولار.
ولفت إلى أن هذه الأموال كان يفترض أن تفرض عليها اليوم ضريبة لا تقل عن 30%، مُعتَبِرًا أَنَّ ذلك يشكل الحد الأدنى من العدالة المالية، إذ إن هذه الأموال حُصِل عليها من مسارات غير مشروعة وعلى حساب المودعين. وقال إنَّ هذه النسبة، عند احتسابها على فترة زمنية تمتد 6 سنوات، تعادل فِعلِيًّا نحو 5% سنويًِّا، في وقت استُخدِمَ فيه جزء من هذه الأموال في الخارج أو في شراء عقارات داخل لبنان بأسعار زهيدة في خلال فترة الأزمة نتيجة شح السيولة النقدية.
وختم قزح: الحكومة مطالبة بتشكيل مقاربة مختلفة لإدارة هذا الملف، تقوم على إشراك مودعين متضررين فعليين في عملية اتخاذ القرار، إلى جانب مصرفيين ضمن لجنة متخصصة، وبالتنسيق مع الجهات الرقابية والنقدية والمؤسسات الدولية المعنية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدولي، بهدف التوصل إلى إطار عادل لمعالجة الخسائر، وبأقل قدر ممكن من الظلم المباشر بحق المودعين والاقتصاد الوطني.

