في ظلّ التقلبات الجيوسياسية الراهنة، يعيد الذهب ترسيخ مكانته كصمّام أمان للاقتصادات العالمية. فبينما تواصل الولايات المتحدة تصدّر المشهد العالمي، تبرز بعض الدول العربية كلاعبين أساسيين في هذا السوق، تتقدّمهم المملكة العربية السعودية باحتياطيات تاريخية تتجاوز 323 طنًا، وفق أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي لعام 2025، يليها لبنان في المرتبة الثانية عربيًا باحتياطي يُقدَّر بنحو 286.8 طنًا.
غير أنّ هذا الاحتياطي الكبير الذي يملكه لبنان لا يعكس بالضرورة واقعًا اقتصاديًا مستقرًا، إذ ترزح البلاد منذ عام 2019 تحت وطأة أزمة مالية ونقدية غير مسبوقة. وفي هذا الإطار، يتعامل صندوق النقد الدولي مع السلطات اللبنانية بحذر شديد، مطالبًا بإصلاحات جذرية تشمل وقف الهدر، إقفال أبواب الفساد، وتنفيذ إصلاحات حقيقية وملموسة قبل أي دعم محتمل.
ويزيد من تعقيد المشهد إدراج لبنان على "اللائحة الرمادية" من قبل مجموعة العمل المالي (FATF)، ما يفرض قيودًا إضافية على تعامله مع النظام المالي العالمي، ويضع احتياطي الذهب في دائرة النقاش.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجاقة أنّ احتياطي الذهب اللبناني، البالغ نحو 286 طنًا، موزّع بين مصرف لبنان، حيث يُخزَّن القسم الأكبر، وبين الولايات المتحدة الأميركية، حيث يُحتفَظ بجزء منه. وأكّد، في حديثه لمنصّة "بالعربي"، أنّ هذا الذهب محميّ بقانون واضح يمنع أي جهة من المساس به أو التصرّف فيه، إذ يُعدّ ملكًا لمصرف لبنان، ولا يمكن استخدامه أو التصرّف به إلا بموجب قانون يصدر عن مجلس النواب.
وشدّد عجاقة على أنّ هذه الحماية القانونية هي السبب الأساسي الذي حال دون المساس بالذهب حتى اليوم، إذ لا يمكن رفع الحماية عنه أو استخدامه إلا بقرار تشريعي صريح. وأشار إلى أنّ أي نقاش حول الاستفادة من الذهب يجب أن يكون مقرونًا بخطة إصلاحية شاملة، محذّرًا من أنّ استخدام الذهب في غياب إصلاحات عميقة سيؤدي إلى استهلاكه سريعًا، ما قد يُغرق لبنان في أزمة أكبر وأخطر من الأزمة الحالية.
في هذا الإطار، طرح عجاقة تساؤلات جوهرية حول كيفية التعامل مع الذهب، معتبرًا أنّ بيعه خيارٌ مرفوض، كما أنّ إبقاءه مجمّدًا بالكامل من دون أي مقاربة اقتصادية متكاملة يُعدّ خيارًا غير سليم. ورأى أنّ الحلّ الوسطي قد يتمثّل في رهن قسمٍ من الذهب ضمن آليةٍ مدروسة، بما يتيح توظيف العائدات في ردّ الودائع ودعم الاقتصاد، إلى جانب تمويل إصلاحات حقيقية قادرة على تحفيز النمو الاقتصادي.
غير أنّ عجاقة أبدى تشاؤمه حيال هذا السيناريو، مشيرًا إلى غياب أي نيّة جدّية لدى القوى السياسية للسير في هذا الاتجاه، لافتًا إلى أنّ ملف الذهب لم يُطرح فعليًا للنقاش الجدي، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر، ولم تُقدَّم أي مقترحات واضحة أو خطط متكاملة بهذا الشأن. وأضاف أنّ أي محاولة لاستخدام الذهب من دون خطوات إصلاحية متزامنة وعميقة ستكون خطأً فادحًا، إذ إنّ الإصلاحات المطلوبة يجب أن تكون حقيقية وقابلة للتنفيذ، لا مجرّد مشاريع تُقرّ على الورق من دون تطبيق.
وختم عجاقة بالتأكيد أنّ المشكلة الأساسية لا تكمن في الذهب بحدّ ذاته، بل في غياب الإرادة السياسية لتنفيذ إصلاحات جذرية تعالج أسباب الانهيار المالي، محذّرًا من أنّ إقرار أي قوانين ذات طابع مالي من دون معالجة جذور الأزمة سيؤدي إلى تعقيد الوضع بدل إنقاذه.
في الخلاصة، يبقى احتياطي الذهب اللبناني سلاحًا ذو حدّين: إمّا أن يتحوّل إلى رافعة إنقاذ ضمن إطار إصلاحي جدّي وشامل يعيد الثقة ويضع الاقتصاد على سكّة التعافي، وإمّا أن يُستنزف في غياب الرؤية والإرادة السياسية، فيفاقم الانهيار بدل معالجته. وبين التحذيرات الاقتصادية والجمود السياسي، يتأكّد مرّة جديدة أنّ المشكلة لا تكمن في قيمة الذهب ولا في حجمه، بل في غياب القرار الإصلاحي الشجاع القادر على حماية هذا الاحتياطي وتوظيفه لمصلحة اللبنانيين، لا لشراء الوقت أو ترحيل الأزمة إلى مراحل أكثر خطورة.

