January 14, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

جباية بالدولار وفواتير مرتفعة.. ألم يحن وقت حل معضلة الكهرباء؟

عادت أزمة الكهرباء لتتصدر المشهد الداخلي، خصوصًا في موسم الاعياد، بعد الحديث عن التوجه الى تقنين قاس أَو ربما عتمة شاملة، مع اقتراب معمل دير عمار من التوقف عن العمل في خِلالِ الأَيَّامِ المقبلة.  

وبعد تعقيب وزارة الطاقة والمياه على البيان الذي صدر عن مؤسسة كهرباء لبنان المتعلق بتأخير توريد شحنة من مادة الغاز أويل لمصلحة المؤسسة، حيث أكدت الوزارة أنه "يعود الى أمور تقنية مرتبطة بمرفأ التحميل"، إضافة إِلى تطرقها إِلى موضوع المناقصات، يبقى السؤال: لماذا تطل هذه الازمة برأسها مجددًا، خصوصًا وأَنَّ الجباية تحصل بالدولار الاميركي وبفواتير مرتفعة، وأين أَصبحت خطة الكهرباء لانقاذ المواطنين من مافيا المولدات؟

وسط كل هذه التساؤلات، أوضح وزير الطاقة السابق وليد فياض أنّ السبب الأساسي لاستمرار لبنان في دوّامة أزمة الكهرباء يعود إلى عدم استكمال المسار الصحيح الذي كان قد أطلقه، والمتمثّل في رفع التغذية الكهربائية عبر تشغيل المعامل الموجودة الأكثر حداثةً بكامل طاقتها قبل الانتقال إلى مرحلة بناء معامل جديدة بمشاركة القطاع الخاص.

 

ولفت عبر مِنصّة "بالعربي" إلى أنّ لبنان لا يزال في المرحلة الأولى من ملف الكهرباء، وهي الاستفادة القصوى من الإمكانيات المتاحة في المعامل الحالية، وهي دير عمار، الزهراني، والزوق والجية الجديدين اللذين يعملان بتكنولوجيا المحركات الترددية الحديثة.

 

وأشار فياض إلى أنّه في حال تشغيل هذه المعامل معًا وبكامل طاقتها، يمكنها إنتاج نحو 1200 ميغاواط، أي ما يعادل أَكثَر مِن نصف حاجة لبنان من الكهرباء، بما يؤمّن نحو 14 ساعة تغذية يوميًا، لافتًا إلى أنّ تحقيق هذا الهدف كان يتطلّب أولًا تأمين الفيول بالكميات اللازمة، وهو ما وضعه ضمن خطة الطوارئ للكهرباء التي أقرّتها الحكومة في صيف العام 2022.

 

وقال إنّ الخطة بُنيت على أساس تأمين فيول إضافي في ظل تعذّر استيراد الغاز وتوقّف دعم البنك الدولي، موضحًا أنّ دورة التمويل بين شراء الفيول، إنتاج الكهرباء، الفوترة ومن ثم الجباية تستغرق نحو خمسة أشهر، ما يستوجب تمويلًا مسبقًا لهذه الفترة. وقدّرت كلفة هذا التمويل حينها بنحو 600 مليون دولار، أي نحو 120 مليون دولار شهريًا، علمًا أنّ الكلفة اليوم باتت أقل مع تراجع أسعار النفط.

 

ولفت فياض إلى أنّ مؤسسة كهرباء لبنان بات لديها حاليًا واردات مالية نتيجة تحسّن الجباية، وبالتالي لا يوجد مانع مبدئي يحول دون تأمين الفيول اللازم لرفع التغذية إلى 14 ساعة، مؤكّدًا أنّه عندما غادر الوزارة كانت المؤسسة تمتلك بين 200 و300 مليون دولار نقدًا، وكانت تدخل شهريًا ما بين 50 و100 مليون دولار.

 

وأوضح أنّه تمكّن في خلال ولايته من رفع التغذية إلى نحو ال10 ساعات يوميًا، وكان من المفترض الاستمرار في هذا المسار عبر زيادة كميات الفيول، ما كان سيؤدّي إلى زيادة الإنتاج وبالتالي زيادة الإيرادات. إلّا أنّ ما حصل لاحقًا هو وقف عقد الفيول العراقي القائم على مبدأ المقايضة مقابل الخدمات، بحجّة أنّه يزيد الدين على الدولة، من دون تأمين بديل مستدام وعلى الرّغمِ مِن التأثير الكارثي لهذه الخطوة على المواطنين و الاقتصاد الوطني.

 

وأكّد فياض أنّ هذا العقد، بعد تطويره بالشراكة مع الحكومة العراقية ومضاعفة كمّية الفيول فيه، بات يؤمّن نحو مليوني طن سنويًا من الفيول الثقيل، ما يعادل نحو 10 ساعات تغذية يومية لوحده، وكان يشكّل عنصرًا أساسيًا في استقرار قطاع الكهرباء، لافِتًا إلى أنّ العقد أُوقف على الرَّغمِ مِن رغبة الجانب العراقي في استمراره وعلو الرَّغمِ مِن أنّه كان قد انطلق منذ أربع سنوات، مع توفّر النيّة لاستكماله وجعله مستدامًا خصوصًا كونه يؤمّن أَفضَل الشروط للجانب اللبناني بالنسبة للتسديد ويسمح بتحريك الاقتصاد الوطني عبر تصدير الخدمات والسلع الوطنية مقابل الوقود، وخاصّةً عبر تأمين كهرباء بنصف الكلفة مقارنة مع المولدات الخاصة للمواطنين والاقتصاد الوطني.

 

كما أشار إلى أَنَّ العقد الثاني المستدام الذي عملت عليه وزارة الطاقة في عهده وأبرمته، وهو عقد استيراد النفط الخام من العراق في مقابل الدفع نقدًا من قبل مؤسسة كهرباء لبنان، والذي يؤمّن عبر المبادلة كمية الفيول الإضافية التي نحتاجها للوصول إلى 14 ساعة تغذية يوميًا.

 

وذكر فياض أنّ الدولة لم تدفع مستحقّاتها من استهلاك الكهرباء في اداراتها ومؤسساتها منذ 3 سنوات وفقًا للسعر الجديد، معتبرًا أنّ لهذا الأمر أثرًا كبيرًا، لا سيّما وأنّ المبلغ المستحق يبلغ نحو 200 مليون دولار سنويًّا، مؤكّدًا أنّ تحويل هذه المبالغ المستحقة في خلال ثلاث سنوات إلى الحساب العراقي يسمح بتسديد جزء وازن من مستحقّاتنا للجانب العراقي، إلّا أنّ هذا لم يحصل، على الرَّغمِ مِن صدور قرار حوله من مجلس الوزراء في آب 2024، ولم يُستَكمَل العمل به.

 

وحذّر من أنّ وقف هذا المسار أدّى إلى حلقة مفرغة تقود إلى العتمة، حيث يؤدّي نقص الفيول إلى نقص الإنتاج، و من ثمّ تراجع الإيرادات، ما ينعكس عجزًا إضافيًا عن شراء الفيول، ونقصانًا في الكمية المستوردة وبالتالي بالتغذية الكهربائية، مؤكّدًا أنّ النظام الحالي للتعرفة، حيث تُباع الكهرباء بنحو 27 سنتًا للكيلوواط ساعة يجعل من زيادة الإنتاج أمرًا مربحًا للمؤسسة، بعكس ما كان عليه الوضع سابقًا حين كانت الكهرباء مدعومة وتتسبّب بخسائر.

 

وقال فياض: انتقل لبنان من دورة إيجابية كانت قائمة على زيادة الإنتاج وزيادة الإيرادات إلى دورة سلبية تقوم على خفض الفيول، خفض التغذية وخفض المداخيل، مؤكِّدًا أَنَّ الحل يكمن في إعادة تأمين مصادر مستدامة للفيول وتنويعها، بما يسمح بإنتاج مستقر وتمويل ذاتي للقطاع، مُشَجِّعًا على استعادة المبادرة مع الأردن الشقيق لاستجرار الكهرباء منه عبر سوريا، الأَمر الذي يؤمن زيادة 250 ميغاوات أَي نحو 3 ساعات تغذية إضافية لنصل إلى 17 ساعة تغذية.

 

وشدد على أَنَّ خيار الانتقال إلى الغاز يبقى الأفضل من حيث الكلفة والبيئة، لكنّه يتطلّب استثمارات في البنى التحتية وسياسة واضحة لتأمينه، سواء عبر البحر أو من خلال خط الغاز العربي، مُتحَدِّثًا عَن أهمّية خفض الهدر الفنّي وغير الفنّي في شبكة التوزيع ومؤكّدًا أنّ العدّادات الذكية وحدها لا تكفي من دون دولة قوية قادرة على فرض القانون.

 

وختم فياض: الخطأ الأساسي كان وقف العقود المستدامة من دون بدائل، ما دفع المواطنين مجدّدًا إلى الاعتماد على المولّدات الخاصة بكلفة أعلى بكثير عليهم وعلى مجمل الاقتصاد الوطني، معتبرًا أنّ ملف الكهرباء بات رهينة حسابات سياسية وانتخابية، في حين أنّ هدفه الوحيد كان ولا يزال تأمين الكهرباء للبنانيين بشكل مستدام.




جباية بالدولار وفواتير مرتفعة.. ألم يحن وقت حل معضلة الكهرباء؟
جباية بالدولار وفواتير مرتفعة.. ألم يحن وقت حل معضلة الكهرباء؟ - 1