عقب زيارته إلى باكستان، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن سوريا تدرس خيار الانضمام إلى اتفاقية "مكة للدفاع المشترك"، التي تضم المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة تأتي في سياق إعادة دمشق ترتيب علاقاتها وتحالفاتها الخارجية، بالتوازي مع مساعيها لإعادة بناء الدولة والجيش السوري وتعزيز قدراته الدفاعية.
وفيما تركز السياسة السورية في المرحلة الحالية على إعادة الإعمار وبناء علاقات دولية وإقليمية وثيقة، يبرز التعاون الدفاعي والعسكري كأحد الملفات التي تسعى دمشق إلى تطويرها، خصوصا في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضيها، بما يفتح أمامها خيارات جديدة في التدريب والتسليح. فهل تتجه سوريا إلى الانضمام فعليا إلى اتفاقية مكة، وما الذي يمكن أن تضيفه هذه الشراكة إلى قدراتها العسكرية؟
في هذا السياق، أكد الباحث والمحلل السياسي السوري ياسر نجار أن سوريا دولة ذات سيادة تقرر بنفسها مع من تريد أن تتشارك أو مع من تريد أن تتحالف، معتبرا أن هذا الشأن يصب في مصلحة الشعب السوري والدولة السورية، وبالتالي فإن قرار الحكومة السورية والدبلوماسية السورية سيصب في مصلحة الشعب السوري.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن سوريا خلال الفترة الماضية كانت تتبع لأحلاف لا تعبر عن مصلحة الدولة السورية، بل تدخل في حال مواجهات لا تمثل مصالح للشعب السوري ولا للدولة السورية، معتبرا أن هذا الزمن انتهى، وأن فترة بشار الأسد انتهت، وانتقلت الدولة السورية الجديدة إلى حالة جديدة تكرس فيها مصلحة الشعب السوري ومصلحة الدولة السورية.
وبالنسبة إلى الحديث عن إمكان انضمام سوريا إلى اتفاقية مكة، رأى نجار أن ما حصل من اعتداءات وانتهاكات إسرائيلية طوال الفترة الماضية يعطي مبررا للدولة السورية بأن تبحث عن مجال جديد لدعمها على المنحى العسكري، على شكل مشاريع التدريب التي تحصل مع المملكة العربية السعودية وتركيا، لافتا إلى ألا مانع من أن تكون باكستان جزءا من هذا الأمر. وأفاد بأن علاقات باكستان القوية مع الصين، انعكست بشكل كبير على الحالة العسكرية لدى باكستان، مشيرا إلى أن المواجهة التي حصلت بين الهند وباكستان أثبتت الأخيرة من خلالها عبر قواتها الجوية أن إمكانياتها وقدراتها كانت أكبر من قدرات الهند التي تعتمد على سلاح أميركي في حالة المواجهة.
واعتبر أن علاقات سوريا الجيدة مع باكستان يمكن أن تساهم في عملية بناء الجيش السوري وبناء قدراته الدفاعية وعملية التسليح، بحيث يكون لدى سوريا أكثر من خيار، منها خيار السلاح الغربي وسلاح الناتو، بالإضافة إلى خيار صيانة وتوريد قطع التبديل والغيار لسلاحها القديم الذي يعتمد على الحالة السوفياتية والروسية، إلى جانب مشروع جديد يتمثل في الاعتماد على أن تكون باكستان حالة مساعدة لإمكانيات السلاح الصيني، مرجحا بأن هذا الأمر هو الذي حرك زيارة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني باتجاه باكستان.
ولفت نجار إلى أن انضمام سوريا للاتفاقية سيخضع لعوامل كثيرة ستستغرق فترة زمنية ليست بالقليلة، خصوصا وأن هذا الحلف الآن في حالة اختبار، كونه أسس على أساس أن يكون هناك دعم لأي دولة تعرضت لحالة اعتداء، السعودية وتركيا وباكستان، معتبرا أن تأسيسه كان يحمل رسالة موجهة باتجاه إيران. وأشار إلى أن سوريا حاليا بعيدة عن الحدود الإيرانية، وأن حلف اتفاق مكة لا يقدم نفسه على أنه خط مواجهة أمام إسرائيل، وإنما يريد تأمين مصالح الدول المنخرطة فيه على أساس الدفاع عن نفسها، لافتا إلى أن أكثر ما يشكل خطرا على المملكة العربية السعودية الآن هو الطرف الآخر من الخليج العربي، أي إيران.
وشدد على أن انخراط سوريا في هذا الحلف هو مصلحة، لكن سوريا ليست جاهزة الآن، حسب اعتقاده، أو بالسرعة الكبرى للانخراط فيه، إذ تحتاج أولا إلى أن تكون في حالة تمكين لقدراتها العسكرية وتعزيز تدريب جيشها، وعندها يمكن لسوريا أن تكون جزءا من أي تحالف يخدم الدولة السورية والشعب السوري.
في الخلاصة، بحث سوريا الانضمام إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك ليس أمرا مفاجئا، إذ إن توجهات الدولة السورية الجديدة منذ تولي القيادة باتت واضحة لجهة إعادة سوريا إلى محيطها العربي والدولي، والانفتاح على علاقات وشراكات جديدة تخدم مصالحها. وبالتالي، فإن هذه الخطوة، في حال تمت، ستكون مهمة بالنسبة إلى سوريا، خصوصا على مستوى تعزيز علاقاتها الإقليمية وفتح آفاق جديدة أمامها في المجالين الدفاعي والعسكري.