August 24, 2026   Beirut  °C
سياسة

سركيس نعوم: اعتبار ترامب مضيق هرمز أرضا أميركية "غير قانوني"

ما بين "هرمز مفتوح" وفق الرواية الأميركية، و"المضيق مغلق" وفق الرد الإيراني، يبقى السؤال: أي الروايتين نصدق، وأي طرف يملك فعلا زمام السيطرة على واحد من أخطر الممرات المائية في العالم؟

ما إن انقضت مهلة الـ 60 يوما التي أعقبت التفاهم الأميركي - الإيراني، حتى بدأ القصف الكلامي المتبادل، وكل طرف يعلن انتصاره وإخضاع الآخر. وفي خضم هذا السجال، ذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبعد من ذلك، ناشرا خريطة لمضيق هرمز واصفا إياه بـ "أرض أميركية جديدة"، في خطوة تحمل من الدلالات السياسية والاستفزازية أكثر مما تحتملها مجرد عبارة عابرة.

وتأتي هذه الرسالة في سياق تصعيد أميركي متدرج، يسعى من خلاله ترامب إلى تثبيت صورة المنتصر وفرض روايته على المشهد، في وقت تدرك فيه واشنطن أن تحويل الضغط السياسي والعسكري إلى مواجهة مفتوحة مع طهران قد يحملها كلفة باهظة، لا سيما إذا تحولت المعركة إلى حرب برية على الأراضي الإيرانية.


وبين استعراض القوة ومحاولة الخروج من مستنقع المواجهة، يبدو أن ترامب يخوض معركة موازية في ميدان الخطاب: معركة يريد من خلالها تثبيت الانتصار سياسيا وإعلاميا قبل أن يقول الميدان كلمته الأخيرة.


وفي قراءة لمجريات الوضع بين واشنطن وطهران وتبعات التغريدة الأخيرة لترامب، رأى الصحافي والمحلل السياسي في جريدة النهار سركيس نعوم أن وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمضيق هرمز بأنه أرض أميركية هو كلام غير قانوني وغير صحيح، مشيرا إلى أن جزءا من المضيق، بما فيه الجزء البري وأصل من الجزء البحري، يقع ضمن الأراضي الإيرانية.


وقال عبر منصة "بالعربي" إن ما تقوم به إيران في مضيق هرمز ليس قانونيا أيضا، لافتا إلى أنها تحاول تغيير القوانين والأنظمة المتعلقة بالمضيق. وشدد، في المقابل، على أن الطريقة التي يعالج بها ترامب هذا الملف ليست قانونية كذلك، متسائلا عن الأساس الذي يمكن أن يستند إليه في وصف المضيق بأنه "أرض أميركية".


واعتبر نعوم أن إدارة ترامب للملف الإيراني اتسمت منذ البداية بالكثير من الارتجال والعصبية، فضلا عما وصفه بالجهل، الأمر الذي أوصل الأمور إلى المرحلة الراهنة، لافتا إلى أن الطريقة التي تصرف بها ترامب أعطت إيران فرصة، بعدما كانت قد تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل ثم من الولايات المتحدة، للتحرك في مضيق هرمز الذي يشكل الجانب الفارسي منه جزءا إيرانيا.


وقال إن إيران استفادت من ذلك لتتمكن من الوقوف في وجه الإدارة الأميركية وتعطيل مساعيها، مشيرا إلى أن القول إن "المضيق مفتوح" لا يعكس الواقع، إذ إن حركة الملاحة فيه تراجعت بشكل كبير، بعدما كانت تمر عبره عشرات السفن، بينما باتت بالكاد تمر 4 - 5 سفن.


وأكد نعوم أن هذا لا يعني أن الإيرانيين ليسوا أساس المشكلة، مشيرا إلى ما وصفه بالتشدد والتعصب والرغبة الإيرانية في عدم الاكتفاء بالاستمرار في الحكم، بل السعي إلى السيطرة على المحيط الإقليمي لإيران. لكنه شدد على أن ذلك لا يبرر كل ما يقوم به ترامب في المقابل.


ولفت إلى أن أحدا لا يعرف حتى الآن إلى أين يمكن أن تصل الأمور وما الذي يستطيع ترامب القيام به، مؤكدا، في الوقت نفسه، أن الرئيس الأميركي "لن يخسر وتربح إيران". لكنه أشار إلى أن طهران لن تسهل عليه تحقيق أي حل بالشكل الذي يريده، خصوصا وأن نفوذها يمتد إلى مختلف أنحاء المحيط العربي والخليجي، في وقت اتخذت فيه الإدارة الأميركية خطوات تتعلق بوجود قواتها في قواعدها بالخليج.


ورأى نعوم أن ترامب يحاول من خلال رسالته عبر وصفه مضيق هرمز بـ "أرض أميركية"، رفع سقف مطالبه ورفع كلفة الموقف على إيران، بهدف دفعها إلى العودة إلى طاولة التفاوض بصورة أكثر جدية. وقال إن الإيرانيين، بدورهم، ينتظرون أي فرصة لزيادة أوراق القوة الموجودة في أيديهم.


وشدد على أن ترامب لا يملك أي أساس قانوني لوصف المضيق بأنه أرض أميركية، موضحا أن الأمر لا يصبح قانونيا لمجرد إصدار مرسوم أو إطلاق تصريحات سياسية. وقال إن ترامب لم يحتل المنطقة ولم يفرض سيطرة فعلية عليها، وبالتالي لا يمكنه التعامل معها على أساس أنها أصبحت أرضا أميركية.


وردا على المفاضلة بين الرواية الأميركية التي تقول إن مضيق هرمز مفتوح، والرواية الإيرانية التي تؤكد إغلاقه، رجح نعوم أن تكون الرواية الإيرانية أقرب إلى الواقع، مشددا، في الوقت نفسه، على أن طريقة معالجة إيران للملف لا تتوافق مع القوانين أو الأنظمة أو الحقوق.


واعتبر أن الرد الأميركي على إغلاق المضيق لا يمكن أن يكون بوصفه أرضا أميركية، مشيرا إلى أن فرض هذا الواقع كان يتطلب احتلال المنطقة والسيطرة عليها وإجبار الإيرانيين على قبول فتح المضيق كأمر واقع، وهو ما لم تفعله الولايات المتحدة.


ورأى نعوم أن ترامب لا يملك، على الأرجح، الاستعداد لخوض مثل هذه المواجهة، لأن احتلال المنطقة وفتح المضيق بالقوة قد يؤديان إلى حرب طويلة مع إيران، محذرا من أن أي حرب برية أميركية معها قد تتحول إلى مواجهة أسوأ من فيتنام بالنسبة إلى الأميركيين.


ويبقى مضيق هرمز نقطة اختبار حقيقية لقدرة واشنطن وطهران على فرض شروطهما من دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع. ومع استمرار الغموض حول مستقبل الملاحة فيه، يبدو أن الكلمة الأخيرة ستبقى رهينة التطورات الميدانية ومسار التفاوض، في ظل كلفة مرتفعة لأي خيار عسكري مفتوح.