August 19, 2026   Beirut  °C
سياسة

الدكتور الحقوقي العراقي راهب صالح الخليفاوي: الزيدي لن يستطيع تفكيك الفصائل الكبرى.. والخوف من شرعنة سلاحها داخل الدولة

بعد رفعه سقف المواجهة، أكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن حصر السلاح بيد الدولة قرار لا رجوع عنه، حتى لو كلفه ذلك حياته، في وقت تقابله فصائل مسلحة برفض صريح لتسليم سلاحها. وبينما تتباين مواقف الفصائل بين من يبدي استعدادًا للانضواء تحت سلطة الدولة ومن يتمسك بسلاحه، تتعقد المهمة أمام الزيدي، خصوصًا مع تأكيد الفصائل مواقفها الرافضة بعد زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد، ورفض إيران أي مسار يستهدف تفكيك الفصائل المرتبطة بها.

فهل يملك الزيدي القدرة الفعلية على نزع سلاح الفصائل الكبرى؟ وهل يتجه العراق إلى مواجهة مع هذه القوى، أم إلى تسوية تعيد ترتيب مواقعها ونفوذها داخل الدولة من دون تفكيكها فعليًا؟

في هذا الإطار، اعتبر المدير التنفيذي لمركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان، الدكتور الحقوقي راهب صالح الخليفاوي، أن المشكلة لا تكمن في شجاعة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أو في قوة تصريحاته، بل في طبيعة النظام السياسي الذي جاء منه، مشيرًا إلى أنه جزء لا يتجزأ من الإطار التنسيقي ومن القوى نفسها التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة، والتي تضم قيادات أسست وتدير عددًا من هذه الفصائل. لذلك، اعتبر أن الحديث عن استثماره انقسام الفصائل لتفكيك نفوذها يحتاج إلى الكثير من الحذر.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن هذه المليشيات ليست فصائل أو مجموعات تقف خارج الدولة، إذ إن بعضها أصبح جزءًا من العملية السياسية، ويمتلك نفوذًا داخل الحشد الشعبي والمؤسسات الأمنية والاقتصادية، إضافة إلى غطاء سياسي قوي. ولذلك، لا يعتقد أن الزيدي يستطيع التعامل معها كما تتعامل دولة مستقرة مع تنظيم مسلح خارج القانون.


وأضاف أن ارتباط الزيدي بمصالح اقتصادية واسعة، ومنها ما يذكره بشأن "مصرف الجنوب"، يفتح سؤالًا أكبر من موضوع السلاح وحده، وهو ما إذا كان رئيس الحكومة مستقلًا عن شبكة المصالح السياسية والاقتصادية المرتبطة بهذه القوى، أم أنه جزء من هذه الشبكة.


واعتبر الخليفاوي أن تفكيك الفصائل الكبرى، ومنها كتائب حزب الله العراقية، وحركة حزب الله النجباء، وعصائب أهل الحق، وكتائب سيد الشهداء، ومنظمة بدر، لن يجري بصورة حقيقية، مرجحًا أن يقتصر ما قد يحدث على تحجيم بعض الفصائل الصغيرة أو إبعاد بعض القيادات والخصوم، ثم إعادة توزيع الفصائل الأقوى داخل الحشد والأجهزة الأمنية ومنحها وضعًا أكثر رسمية.


وحذر من أن تتحول المسألة من نزع للسلاح إلى إعادة شرعنته وإدخاله بصورة أعمق في مؤسسات الدولة، معتبرًا أن الزيدي، إذا أراد إثبات عكس ذلك، فعليه أن يثبت أن الدولة قادرة على نزع سلاح الحشد الشعبي وكتائب حزب الله العراقية والكتائب الأخرى ومنظمة بدر، كما تنزع سلاح الفصيل الضعيف. أما إذا بقيت هذه المنظمات المليشياوية الكبرى خارج المحاسبة، فإن الحديث عن حصر السلاح سيبقى، برأيه، "هالة إعلامية وعنوانًا سياسيًا أكثر منه تغييرًا حقيقيًا".


وفي ما يتعلق بإمكان انتقال الأزمة إلى مواجهة عسكرية، استبعد الخليفاوي مواجهة شاملة، معتبرًا أن الحكومة والفصائل الرئيسية ليستا طرفين منفصلين بالكامل، إذ تمتلك هذه الفصائل امتدادات داخل النظام السياسي ومؤسسات الدولة. وبالتالي، يدرك الجميع أن الصدام الشامل ستكون كلفته مرتفعة جدًا، وقد يهدد النظام السياسي نفسه.


ورجح أن يكون السيناريو الأقرب هو التسوية وإعادة توزيع النفوذ، بحيث قد يطلب من بعض الفصائل تغيير عناوينها، أو نقل أجزاء من قواتها وسلاحها إلى تشكيلات رسمية، أو إعادة ترتيب قياداتها، فيما تبقى بنيتها الحقيقية ونفوذها قائمين. وأعرب عن خشيته من أن يتحول مفهوم نزع السلاح من إنهاء القوة المسلحة الموازية للدولة إلى مجرد نقل هذه القوة من خارج المؤسسات إلى داخلها، معتبرًا أن المشكلة عندها لن تحل، بل ستصبح أكثر تعقيدًا، لأن هذه الفصائل ستحصل على غطاء الدولة وميزانيتها وسلطتها، وفي الوقت نفسه تحتفظ بولائها التنظيمي والسياسي لإيران.


وفي السياق نفسه، اعتبر الخليفاوي أن إيران قادرة، إلى حد كبير، على تعطيل أي مشروع حقيقي لنزع سلاح الفصائل الكبرى، لأنها لا تتعامل معها كأدوات منفصلة، بل كجزء أساسي من نفوذها السياسي والأمني في العراق، مشيرًا إلى أن زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد في هذا التوقيت ليست تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا إلى أن ملف السلاح مرتبط بحسابات طهران وبقدرتها على التأثير في القوى السياسية والفصائل التي تملك حضورًا داخل الدولة وخارجها.


وقال إن إيران، برأيه، لن تسمح بسهولة بتفكيك المليشيات الولائية والفصائل، وفي مقدمتها كتائب حزب الله والنجباء وبدر، بصورة حقيقية، لأن هذه القوى تمثل جزءًا من منظومة الردع والنفوذ التي بنتها طهران في العراق والمنطقة. ورجح أن يجري، بدلًا من ذلك، إعادة تنظيم هذه القوى بما يضمن تقويتها، عبر التخلص من بعض الفصائل الصغيرة أو تحجيم بعض الخصوم، بينما تدمج الفصائل الأقوى بصورة أوسع داخل هيئة الحشد الشعبي والأجهزة الأمنية الحساسة.


ولفت الخليفاوي إلى أن الخطورة تكمن في أن هذه الفصائل، بدلًا من أن تفقد نفوذها، قد تحصل على غطاء رسمي ونفوذ أكبر داخل الدولة، مع احتفاظها بعلاقاتها وولاءاتها وشبكاتها السابقة. وأضاف أن إيران لا تحتاج، برأيه، إلى إبقاء السلاح كله خارج مؤسسات الدولة، إذ قد يكون من مصلحتها أن يدخل جزء من هذه القوى إلى مؤسسات الدولة نفسها، بما يضمن استمرار نفوذها بصورة أكثر شرعية ورسوخًا.


وأفاد الخليفاوي بأن ما يجري قد يكون مسارًا يهدف إلى امتصاص غضب المحيط العربي والمجتمع الدولي تجاه هذه المليشيات والفصائل، مشددًا على أن إيران ليست مراقبًا خارجيًا لما يحدث في العراق، بل إن نفوذها أصبح جزءًا من بنية سياسية وأمنية واقتصادية تشكلت خلال سنوات طويلة. وأوضح أن طهران لا تحتاج دائمًا إلى إصدار أوامر مباشرة، إذ لديها قوى وأحزاب وفصائل تعتبر مصالحها مرتبطة ببقاء هذا النفوذ، معتبرًا أن زيارة قاآني في هذا التوقيت تحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها أن ملف السلاح العراقي "ما زال ملفًا إيرانيًا بقدر ما هو ملف عراقي".


وفي ما يتعلق بانقسام الفصائل بين مؤيد لقرار حصر السلاح ورافض له، أوضح أن بعض الفصائل يمكن أن تقبل بالحصر لأنها تعلم أن لها موقعًا محفوظًا داخل الحشد أو الأجهزة الرسمية، فيما ترفض فصائل أخرى لأنها تريد ضمانات أكبر أو الحفاظ على استقلاليتها ونفوذها. لكنه شدد على أنه لا ينبغي قياس النتيجة بعدد الفصائل التي تعلن موافقتها، بل بما ستفقده هذه الفصائل فعليًا، متسائلًا عما إذا كانت ستفقد قيادتها المستقلة، ومخازن السلاح والصواريخ والطائرات المسيرة، وشبكات التمويل الخاصة بها، وعلاقتها التنظيمية والسياسية مع القوى الخارجية.


واعتبر الخليفاوي أنه إذا لم يحدث ذلك، فلن يكون الأمر تفكيكًا للنفوذ، بل تغييرًا في الشكل مع بقاء الجوهر، معتبرًا أن الحكومة قد تستخدم الانقسام لتهميش بعض الفصائل الصغيرة أو الخصوم، فيما تخرج الفصائل الأقوى من العملية بنفوذ أكبر داخل الدولة.


وفي تقديره للمرحلة المقبلة، استبعد الخليفاوي أن يبدأ السيناريو بمواجهة عسكرية شاملة، مرجحًا تسوية جديدة يعاد من خلالها تعريف معنى نزع السلاح، موضحًا أن بعض الفصائل قد تعلن تسليم جزء من سلاحها، أو تصبح تحت مظلة الحشد، أو تعيد تنظيم قواتها، ثم يقدم ذلك باعتباره نجاحًا للدولة، فيما يبقى السؤال الأساسي حول ما إذا كانت القوة المستقلة لهذه الفصائل قد انتهت فعلًا.


وأكد أن الفصائل الكبرى لن تتراجع بسهولة، لأنها لا تدافع عن السلاح فقط، بل عن نفوذ سياسي واقتصادي وأمني تراكم طوال سنوات. ولذلك، اعتبر أن السيناريو الأخطر ليس الحرب، بل التسوية التي تمنح الفصائل الأقوى شرعية ونفوذًا أكبر داخل مؤسسات الدولة مقابل تغيير شكلها الخارجي، بحيث تعلن الحكومة أنها حصرت السلاح بيد الدولة، بينما تكون الدولة نفسها قد استوعبت داخلها القوى التي كان يفترض أن تنزع سلاحها.


وختم الخليفاوي بالقول إن السؤال الحقيقي، في هذه الحالة، ليس أين ذهب السلاح، بل من أصبح يسيطر على الدولة بعد إعادة توزيع هذا السلاح؟


في الخلاصة، ومع حضور إيران في هذا الملف، يبدو أن ما صرح به الزيدي لن يكون سهل التنفيذ، خصوصًا في ظل رفض فصائل أساسية التخلي عن سلاحها. ومع استمرار هذا الرفض، سيكون الزيدي أمام اختبار حقيقي لقدرته على تحويل قراره إلى خطوات فعلية على الأرض، لا سيما في مواجهة الفصائل الأكثر نفوذًا.