بعد صدور حكم الإعدام حضوريا بحق عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، وغيابيا بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر، في 11 آب الحالي، دخل ملف محاسبة رموز النظام السوري السابق مرحلة جديدة، لكن الأسئلة الأصعب تبدو في ما بعد الأحكام.
وفي قضية نجيب، الذي ارتبط اسمه بقمع احتجاجات درعا في العام 2011 وبقضية اعتقال وتعذيب الطفل حمزة الخطيب، تتداول وسائل التواصل، نقلا عن لسان الصحافي السوري أحمد كامل، أن تنفيذ الحكم سيحصل في 18 آذار 2027 في ساحة 18 آذار بدرعا، أي بعد نحو 7 أشهر من صدوره، وبعد قرابة 16 عاما على انطلاق أحداث الثورة السورية.
وفي موازاة ذلك، يبرز ملف بشار وماهر الأسد المقيمين في روسيا، ومدى واقعية تنفيذ الحكم الغيابي بحقهما في ظل الحاجة إلى توقيفهما أو تسليمهما، وما إذا كانت موسكو ستقبل أصلا بتسليمهما إلى دمشق، فضلا عن مصير أمجد يوسف، المتهم بمجزرة التضامن، وسائر المتورطين في الانتهاكات.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس تحرير صحيفة الأيام السورية أحمد كامل أن أحكام الإعدام الصادرة في سوريا تنقسم إلى نوعين، هما الأحكام الوجاهية والأحكام الغيابية، مشيرا إلى اختلاف الإجراءات القانونية وآلية التنفيذ بين النوعين.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن الأحكام الوجاهية، ومن بينها الحكم الصادر بحق عاطف نجيب، تصدر بحضور المحكوم عليه ومحاميه، ويكون أمام المحكوم عليه مهلة 30 يوما للطعن بالحكم أمام محكمة النقض. وتتولى محكمة النقض بعد ذلك دراسة الطعن، لناحية استيفائه الشروط الشكلية وصحة أسبابه من الناحية الموضوعية، قبل أن تبت فيه.
أضاف كامل إنه في حال ثبتت محكمة النقض الحكم، تنتقل القضية إلى مرحلة التوثيق والتصديق، موضحا أن حكم الإعدام لا ينفذ إلا بعد استكمال المصادقات والتواقيع اللازمة، ومن بينها تصديق مفتي الجمهورية ورئيس الجمهورية أحمد الشرع. وبعد استكمال هذه الإجراءات، يحدد رئيس الجمهورية موعد تنفيذ الحكم وطريقته.
وأوضح أن الحكم الوجاهي، بالتالي، يحتاج إلى أشهر عدة حتى يكتسب الدرجة القطعية، بعد استنفاد مراحل الطعن واستكمال إجراءات التصديق اللازمة، قبل أن يصبح قابلا للتنفيذ. أما النوع الثاني، وفق كامل، فهو الأحكام الغيابية، ومن بينها الأحكام الصادرة بحق بشار الأسد وماهر الأسد وآخرين، مشيرا إلى أن الحكم الغيابي يسقط بمجرد تسليم المحكوم عليه نفسه أو إلقاء القبض عليه أو قيام الدولة التي يقيم فيها بتسليمه إلى السلطات السورية. ولفت إلى أن الحكم الغيابي، كما في حالة الفنان فضل شاكر، لا يبقى نافذا بصورته الغيابية بعد حضور المحكوم عليه، بل يلغى وتبدأ محاكمة جديدة بحقه بصورة وجاهية، من بدايتها.
وفي ما يتعلق بإمكان أن تسلم روسيا بشار الأسد وماهر الأسد إلى السلطات السورية، قال كامل إن ذلك ممكن، موضحا أن القانون الروسي يسمح به، لكن المسألة تحتاج إلى قرار سياسي. واعتبر أن روسيا لن تقدم على خطوة من هذا النوع من دون مقابل.
وقال إن موسكو، بحسب تقديره، تحتاج إلى ثمن غال مقابل تسليم بشار الأسد وماهر الأسد، إضافة إلى عدد كبير من المتهمين بارتكاب جرائم موجودين على الأراضي الروسية، مشيرا إلى أن العدد قد يصل إلى نحو خمسة آلاف شخص.
وفي ما يتعلق بمصير أحكام الإعدام الصادرة بحق عدد من رموز النظام السابق، رجح كامل تنفيذ الحكم بحق عاطف نجيب ووسيم الأسد، مشيرا إلى أن الحكم سيستكمل مراحله القانونية من الطعن والنقض والتصديق، قبل أن يصبح قابلا للتنفيذ. وأوضح أن رئيس الجمهورية أحمد الشرع هو الذي يحدد طريقة تنفيذ حكم الإعدام، لافتا إلى أن المطلب الأساسي والأوسع في درعا هو تنفيذ الحكم بحق عاطف نجيب داخل المحافظة، باعتبار أن الأحكام الصادرة في هذا السياق ترتبط بالجرائم التي ارتكبها النظام وأركانه في درعا. وقال إن الحكم بحق عاطف نجيب يتعلق بما ارتكبه في درعا، كما أن الأحكام المتعلقة ببشار الأسد وماهر الأسد تتصل، في هذا السياق، بالجرائم المرتكبة في المحافظة، ومنها القتل الجماعي والتعذيب الجماعي.
وفي المقابل، رأى أن الجرائم المنسوبة إلى بشار الأسد لا تقتصر على ما صدر بشأنه حتى الآن، معتبرا أن هناك جرائم ومجازر كثيرة أخرى يمكن أن تشكل أساسا لمحاكمات وأحكام إضافية. وأمل في أن يُحاسب على جرائم الإبادة الجماعية، وليس فقط على القتل الجماعي، لا سيما في ما وصفه بالإبادة الجماعية ذات الطابع الطائفي.
وفي شأن مكان تنفيذ حكم الإعدام بحق عاطف نجيب، أوضح كامل أن تحديد المكان والطريقة يعودان إلى الرئيس أحمد الشرع، مشيرا إلى أن الخيار المطروح، والذي يحظى بتأييد واسع من أهالي درعا، هو تنفيذ الحكم داخل المحافظة، وفي المكان الذي ارتكبت فيه الجرائم.
وقال إن رئيس الجمهورية يستطيع قانونا أن يقرر تنفيذ الحكم في مكان ارتكاب الجريمة، معتبرا أن درعا تمثل في هذه الحالة المكان الأكثر ارتباطا بالجرائم التي صدر الحكم بحق عاطف نجيب على أساسها.
ورأى أن الخيارات المتعلقة بمكان التنفيذ لا تقتصر على ساحة محددة، إذ يمكن أن يكون التنفيذ أمام حشود في ساحة عامة، أو في مكان مغلق، أو في ملعب لكرة القدم أو كرة السلة، أو داخل ساحة أحد السجون، مؤكدا أن تحديد ذلك يبقى من صلاحية رئيس الجمهورية.
وقال كامل إن تنفيذ الحكم في درعا سيكون، في حال حصوله، ذا رمزية كبيرة بالنسبة إلى أهالي حوران ودرعا، بل وإلى السوريين عموما، معتبرا أن تنفيذ الحكم في المكان الذي ارتبطت فيه الجريمة قد يمثل بالنسبة إلى الضحايا وذويهم تعبيرا عن تحقق العدالة.
وربط بين موعد تنفيذ الحكم المحتمل والذكرى السنوية لانطلاق الثورة السورية من درعا في 18 آذار، مرجحا، وإن من دون جزم، إمكان أن يتزامن تنفيذ الحكم مع 18 آذار المقبل.
وأوضح كامل أن المدة الفاصلة حتى ذلك التاريخ ليست طويلة من الناحية الإجرائية، نظرا إلى أن أحكام الإعدام تحتاج إلى استكمال مراحل الطعن والنقض والتصديق، وهي إجراءات قد تستغرق أشهر عدة، ما يجعل تأخير التنفيذ حتى يتزامن مع ذكرى 18 آذار أمرا ممكنا من الناحية الزمنية.
وأكد أن هذا السيناريو ليس مؤكدا، لكنه يعتبره مرجحا بالنظر إلى ما يحمله من رمزية، وإلى ما يمكن أن يمثله من شعور بتحقق العدالة، لا سيما لدى أهالي حوران ودرعا. وقال إن السوريين، على مدى سنوات طويلة، "ذاقوا كل شيء إلا العدالة"، معتبرا أن تنفيذ أحكام الإعدام بحق من ارتبطت أسماؤهم بجرائم النظام السابق قد يمنح السوريين، خصوصا الضحايا وذويهم، شعورا طال انتظاره بتحقق العدالة.
ويبقى انتظار القصاص والعدالة من مرتكبي الجرائم خلال سنوات الحرب السورية ثقيلا على الثكالى والأرامل وذوي الضحايا، الذين حملوا وجعهم سنوات طويلة وهم ينتظرون لحظة يرون فيها من تسببوا بفقدان أحبائهم أمام القضاء. فالعدالة، بالنسبة إلى هؤلاء، ليست انتقاما، بل حق مؤجل، وكلما طال انتظارها، بقيت الجراح مفتوحة، وبقيت ذاكرة الضحايا معلقة على وعد لم يتحقق بعد.