August 17, 2026   Beirut  °C
سياسة

هلال خشان: ترامب مضغوط أكثر بكثير من النظام الإيراني.. والعقوبات لا تؤدي إلى إسقاط نظام سياسي

لا أحد يدرك فعلا ما تخفيه شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا إلى أين يمكن أن يقوده تفكيره السياسي المتقلب. فالرجل قد يصبح في المساء نقيض ما كان عليه في الصباح، وما يقوله في لحظة قد ينقلب عليه في اللحظة التالية.

تصريحات متناقضة يطلقها ترامب من هنا، ليعود فينفيها بعد لحظات، وتهديدات مدوية يقصف بها خصومه من على منصته، قبل أن ينقلب فجأة إلى "حمل وديع"، يغازل مشاعر الطرف الآخر بعبارات الثناء، أو يفتح الباب أمام الجلوس إلى طاولة تجمعهما. هكذا يبدو ترامب، رئيسا يصعب التنبؤ بخطوته التالية، ويترك خلف كل تصريح مساحة واسعة للتأويل والتراجع والمناورة.

ولعل آخر "شطحات" ترامب إعلانه، السبت، أن مضيق هرمز سيصبح "أميركيا بالكامل"، قبل أن يتبخر هذا الكلام، كغيره، تحت عنوان "المزحة" التي سارع مسؤول رفيع في البيت الأبيض إلى استخدامها لتبرير ما قاله ترامب. غير أن المزحة لم ترق للجانب الإيراني، الذي سارع إلى التشديد على أن طهران تسيطر على المضيق، وأن هويته "فارسية" لا تقبل المساومة.


وبين التصعيد والتهدئة، والتهديد والتراجع، يواصل ترامب إدارة سياسته بمنطق المفاجأة والمناورة، محولا تصريحاته المتناقضة إلى جزء من أسلوبه في التعامل مع الخصوم والحلفاء على حد سواء. غير أن الإفراط في هذا النهج لا يترك أثره على صورة الولايات المتحدة في الخارج فحسب، بل يضع صورة ترامب نفسه أمام جمهوره وأنصار حزبه تحت اختبار متواصل، في ظل رئيس يصعب الإمساك بثبات مواقفه أو التنبؤ بوجهته التالية.


وفي سياق هذا التناقض والغموض في تصريحات دونالد ترامب، أكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت البروفسور هلال خشان أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مضيق هرمز سيصبح "أميركيا"، ثم تراجعه عن هذا الموقف واعتباره "مزحة"، يعكس نهجا متقلبا في إدارة المواجهة مع إيران، معتبرا أن كلا من واشنطن وطهران يواصل رفع سقف التصعيد، في وقت تبدو فيه الخيارات أمام ترامب أكثر صعوبة.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن إيران معتادة على العقوبات منذ العام 1979، أي منذ انتصار الثورة الإسلامية، مشيرا إلى أن العقوبات، في رأيه، لا تؤدي إلى إسقاط نظام سياسي بالضرورة. وقال إن النظام الإيراني، على الرغم من وضعه الاقتصادي المنهار، يتمتع بقدر كبير من المرونة والقدرة على التكيف مع الضغوط، وهو ما يجعل إسقاطه من الخارج أمرا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا.


ولفت خشان إلى أن إيران تختلف عن عدد من الدول العربية من حيث طبيعة مؤسساتها، موضحا أن النظام الإيراني عمل على بناء مؤسسات الدولة على مدى عقود منذ الثورة، ولذلك فإن التعامل معه لا يشبه التعامل مع أنظمة أخرى انهارت بسرعة أمام التدخلات العسكرية الخارجية.


واعتبر أن الرئيس دونالد ترامب قام بما رفض الرؤساء الأميركيون الذين سبقوه القيام به، مشيرا إلى أن هؤلاء كانوا يدركون صعوبة "هضم" إيران وإخضاعها بسهولة. وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أقنع ترامب بأن توجيه ضربات إلى إيران سيكون عملية بسيطة تؤدي إلى انهيار النظام من الداخل، إلا أن التطورات أظهرت، بحسب رأيه، أن الواقع أكثر تعقيدا.


وتحدث خشان عن تجربة احتجاز 54 أميركيا في السفارة الأميركية في طهران عقب الثورة الإيرانية، لافتا إلى أن الأزمة استمرت حتى انتهاء ولاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر في العام 1981، ولم تنته إلا مع وصول رونالد ريغان إلى الحكم. واعتبر أن التجربة التاريخية تؤكد قدرة إيران على الصمود في مواجهة الضغوط الأميركية.


ورأى أن الولايات المتحدة تستطيع تحقيق انتصارات عسكرية سريعة في مواجهة بعض الدول، لكن مشكلتها تبدأ، في كثير من الأحيان، بعد إعلان الانتصار، لا سيما عندما يتعلق الأمر بدول ذات بنية مؤسساتية عميقة. وقال إن ترامب أعلن الانتصار، لكن مشاكله مع الإيرانيين بدأت بعد ذلك.


وفي هذا السياق، شدد خشان على أن النظام الإيراني يمتلك قدرة عظيمة على المرونة، معتبرا أن عامل الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في تشرين الثاني المقبل يزيد الضغوط على ترامب. ورأى أنه إذا لم يُتوصل إلى حل قبل موعد الانتخابات، فقد يواجه الحزب الجمهوري خسارة أغلبيته في مجلس الشيوخ.


وقال إن ترامب بات عالقا في المواجهة مع إيران، كما أن إيران نفسها عالقة، لأن أي تراجع من جانبها سيعني، في نظرها، هزيمة مطلقة، وبالتالي لا تبدو لديها مساحة واسعة للمناورة أو التراجع.


وعن صورة ترامب أمام العالم وأمام الأميركيين وجمهوره السياسي، اعتبر خشان أن الرئيس الأميركي بدأ المواجهة من أهداف واسعة تتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي الإيراني والأذرع، لكنه وصل في نهاية المطاف إلى معركة حول مضيق هرمز، من دون أن يكون قادرا حتى الآن على ضمان حرية الملاحة فيه، مشيرا إلى أن الحديث عن وضع المضيق تحت السيطرة الأميركية الكاملة لا يكفي، ما لم تكن السفن قادرة فعليا على المرور عبره.


ولفت إلى أن هذه المسألة تضع الخطاب الأميركي أمام اختبار واقعي، لأن السيطرة المعلنة لا تعني بالضرورة القدرة على تأمين حركة الملاحة، معتبرا أن ترامب يواجه ضغوطا متزايدة داخل الولايات المتحدة. وأشار إلى أن الديمقراطيين يعارضون الحرب بشكل واسع، فيما بدأت المعارضة تتزايد داخل الحزب الجمهوري نفسه. وقال إن الأميركيين باتوا يطرحون أسئلة حول جدوى الحرب، خصوصا في ظل انعكاساتها الاقتصادية وارتفاع التضخم وأسعار الوقود.


أضاف خشان ترامب بات، في تقديره، مضغوطا أكثر بكثير من النظام الإيراني، لأن الإيرانيين اعتادوا التعامل مع الضغوط والعقوبات، بينما يواجه الرئيس الأميركي كلفة سياسية واقتصادية متزايدة نتيجة استمرار الحرب.


وعن خيارات ترامب، اعتبر أن الرئيس الأميركي يجد نفسه أمام خيارين، "أحلاهما مر"، لأن استمرار الضربات، من وجهة نظره، لن يؤدي بالضرورة إلى تحقيق النتيجة التي يريدها، فيما سيكون التراجع مكلفا سياسيا أيضا. وقال إن ترامب سيضطر في نهاية المطاف إلى البحث عن مخرج من هذه المواجهة، معتبرا أن وضعه بات شديد التعقيد، إذ إن التصعيد قد يؤدي إلى خسارته، كما أن التراجع قد يحمله خسارة سياسية أخرى. وأشار إلى أن الاشتباك مع دول العالم الثالث يختلف عن الصراع مع الدول المتقدمة، لا سيما عندما تكون الدولة المقابلة ذات مؤسسات عميقة وقادرة على امتصاص الضغوط.


وقال خشان إن فهم طبيعة المواجهة مع إيران يتطلب إدراك خصوصية الفكر الشيعي الذي يقوم، بحسب تعبيره، على مفهوم الشهادة ورفض الهزيمة والتراجع، ما يجعل الوصول إلى تسوية عبر الضغط العسكري وحده أكثر صعوبة.


وبين تهديد وتصعيد، ثم تراجع وتبرير، يواصل ترامب إدارة المواجهة بمنطق المفاجأة، فيما تتحول تصريحاته المتناقضة من أداة ضغط إلى عبء على صورته السياسية. ومع دخول مضيق هرمز على خط المواجهة، يبدو أن هامش المناورة يضيق أمام الرئيس الأميركي، بعدما بات عليه أن يثبت أن ما يقوله ليس مجرد "مزحة" أخرى، وأن سياسة رفع السقف ثم خفضه لا تتحول مع الوقت إلى فقدان للهيبة والثقة، في الداخل والخارج.