في وقت يستعد فيه العراق لإنهاء مهمة التحالف الدولي ومغادرة قواته، حدد رئيس الوزراء علي الزيدي الأول من تشرين الأول المقبل موعدا لخلو البلاد من أي وجود عسكري أجنبي، معتبرا أن هذا التاريخ سيكون "يوما جديدا في مسار الدولة العراقية"، وأن العراق سيكون قد استكمل سيادته الوطنية على أراضيه.
وأكد الزيدي أيضا ضرورة الالتزام بالدستور والثوابت التي تقوم عليها الدولة، وحصر السلاح بيد الدولة، مع انتقال العلاقة مع واشنطن من التعاون العسكري إلى شراكة اقتصادية وتنموية وأمنية. وبالرغم من هذا التأكيد، يبقى العراق أمام واقع سياسي وأمني تتغلغل فيه الفصائل المسلحة والميليشيات الإيرانية. فهل يكون الأول من تشرين الأول فعلا بداية مرحلة جديدة، أم أن خروج القوات الأجنبية قد يفتح الباب أمام واقع أكثر تعقيدا على مستوى موازين القوى داخل العراق؟
في هذا السياق، أكد رئيس الجبهة الوطنية العراقية، د. محمد الموسوي، أن جميع من سبقوا الزيدي راهنوا على وعود خارجية بدعم عراق ذي سيادة، إلا أن أحدا لم يف بوعوده، معتبرا أن تصريحات الزيدي ستكون، كتصريحات من سبقوه، "للاستهلاك الإعلامي".
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الجديد في تصريحاته هو تميز خطابه السياسي قليلا عن خطاب من سبقوه، "لكن الثوابت واحدة"، لافتا إلى أن القوات الأميركية مرتبطة باتفاقيات أمنية، فيما قد تخرج قوات تابعة للاتحاد الأوروبي.
وأوضح الموسوي أن في بعض المناطق في العراق، كإقليم كردستان العراق، لا سلطان للدولة العراقية على أي وجود عسكري أو أمني، معتبرا أن موعد الأول من تشرين الأول لن يشكل شيئا فيما يتعلق بالسيادة العراقية المتنازع عليها بين دول إقليمية والولايات المتحدة، فيما لن يصدر عن السلطة العراقية سوى تصريحات هنا وردود هناك، وكلها بتوصيات خارجية.
وفي ما يتعلق بالفصائل المسلحة، اعتبر أنه إذا لم تتمكن السلطة العراقية من السيطرة على الفصائل المسلحة التابعة لإيران وغير إيران ونزع سلاحها، في ظل وجود قوات التحالف الدولي وسطوة القوات الأميركية، فكيف ستتمكن من التعامل معها بعد خروجها؟ واعتبر أن الفصائل المسلحة جزء من أدوات إدارة الصراع في المنطقة، وبتوافق إيراني أميركي وقبول دولي، مشيرا إلى أن حصر السلاح بيد الدولة يتطلب قيام الدولة أولا، وبعدها لكل حادث حديث.
واعتبر الموسوي أن حصر السلاح بيد الدولة مصطلح فضفاض وكبير على سلطة لم تتمكن من إقامة دولة منذ سنة 2003، لكنها تمكنت من إقامة إقطاعية سياسية تأصلت في كافة مفاصل الوجود داخل العراق. كما اعتبر أن خروج القوات الأجنبية سيؤدي إلى تغيير في موازين القوى داخل العراق، وسيقلص من فرصة السلطة العراقية في فرض هيمنتها على الأرض، مشيرا إلى أن المستفيد الأول سيكون الأطراف الموالية لإيران وباقي الإقطاعية السياسية المتوافقة مع مشروع إيران والولايات المتحدة.
وفي ما يخص علاقة بغداد بواشنطن وطهران، وصفها بأنها علاقة عبودية المدين التابع بالدائن، مؤكدا أنها مستمرة في كل الأحوال وتحت كافة الظروف. وأشار إلى أن دخول الصين إلى الساحة العراقية سيغير طبيعة العلاقة، معتبرا أن واشنطن تتجه إلى التخطيط للهيمنة من خلال الشركات والبنوك ورأس المال والشركات الأمنية التي ستحمي رأس المال الأميركي العامل في العراق، فيما وصف العلاقة مع طهران بأنها كعلاقة الوصي القادر المهيمن بالقاصر الخانع.
وفي ما يتعلق بالتحديات المقبلة، كشف الموسوي أن أبرزها يتمثل في سعي السلطة إلى إثبات وجودها، وكيف ستتعامل مع مراكز متعددة الولاءات والأشكال داخل العراق، متسائلا: هل ستدعم الرأسمالية الغربية، أو الأميركية تحديدا، سلطة الزيدي؟ وهل ستتوافق القوى الموالية لإيران مع الرأسمالية الجديدة في العراق؟ واعتبر أن إيران والتابعين لها سيتوافقون مع القوى الرأسمالية الجديدة، وأن السيادة في العراق ستبقى حلما غير قابل للتحقق، لأن عامل السيادة العراقية لا يخدم أي طرف من الأطراف الاستعمارية في العراق.
في نهاية المطاف، لن يكون انتقال العراق إلى هذه المرحلة أمرا سهلا، بعدما حكمت الفصائل المسلحة ومراكز النفوذ المرتبطة بإيران جزءا كبيرا من المشهد العراقي على مدى سنوات. فنجاح هذه الخطوة، إذا، مرتبط بقدرة الحكومة على ترجمة ما تقوله عن سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها إلى خطوات فعلية على الأرض، وكيفية تعاملها مع واقع ترسخ منذ سنوات. فهل تنجح بغداد في تغيير هذا الواقع، أم أن الطريق أمامها سيكون شبيها بتجارب دول أخرى في المنطقة؟