لا تزال المملكة العربية السعودية في مرمى هجمات ميليشيا الحوثيين، إحدى أبرز أذرع إيران في المنطقة، مع استمرار استهداف مواقع ومنشآت داخل المملكة، وآخرها مصفاة أرامكو في جازان بطائرة مسيرة. هجوم يأتي بعد سلسلة من التحركات الحوثية التي طالت أيضا سفنا مرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، لتبقى حدود هذا التصعيد وتداعياته موضع ترقب.
وعلى الرغم من المحاولات المتكررة التي تبذلها المملكة العربية السعودية لإبعاد نفسها عن هذا الصراع وحماية أمنها ومصالحها، يبدو أن ميليشيا الحوثيين مستمرة في استهدافها، بما يطرح تساؤلات حول أهداف هذا التصعيد، وما إذا كانت هذه الهجمات مرتبطة بحسابات الحوثيين في المنطقة، أم أنها تأتي في سياق أوسع يتصل بالمواجهة مع إيران ومحاولات الضغط على المملكة.
وفي هذا السياق، أشار المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية والكاتب والباحث في العلاقات الدولية الأستاذ سالم اليامي إلى أن الجانب السعودي تحدث إلى الآن عن حادث حريق في منشأة صناعية، وأن هذا الحادث لا يزال قيد التحقيق، مشيرا إلى أن التعامل السعودي مع ما حصل لا يزال مرتبطا بما ستخلص إليه الجهات المختصة من نتائج التحقيق، في مقابل الرواية الحوثية التي ذهبت مباشرة إلى إعلان تنفيذ هجوم على المنشأة.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن الرواية الحوثية تركز على مصفاة لشركة أرامكو في منطقة جيزان، إلا أن هذه الرواية، بحسب تقديره، لم تثر أي قلق، ولم تحدث أي تغيير على عمليات الإنتاج والتصدير. وبالتالي، لا يرى أن الإعلان الحوثي انعكس حتى الآن على حركة العمل في المنشأة أو على عمليات أرامكو المرتبطة بالإنتاج والتصدير.
أما على مستوى طبيعة الهجمات والقدرة على إحداث أضرار مستدامة، فاعتبر اليامي أن المسألة لا ترتبط بالضرورة بامتلاك قدرات تقنية متقدمة. وبحسب رأيه، فإن القدرة على التخريب لا تحتاج تكاليف ولا تقنية عالية، مشيرا إلى أن الذهنية التي تسيطر على الميليشيات الإرهابية الحوثية هي ذهنية موقتة تسعى للكسب الدعائي لا أكثر.
وربط التصعيد الحوثي الأخير بالسياق الإقليمي الأوسع، لا سيما التطورات المرتبطة بإيران، لافتا إلى أن تحركات الجماعة لا تنفصل عن محاولة إسناد طهران في هذه المرحلة. وأكد أن كل التحركات التي تبديها الميليشيات الحوثية أخيرا هي مجرد صدى يحاول دعم الموقف الإيراني المتداعي، وفي الوقت نفسه يهدف لتخفيف الضغط عن ميليشيات الحرس الثوري الإرهابية.
وفي ما يتعلق بكيفية تعاطي السعودية مع استمرار هذه الاعتداءات، رأى اليامي أن الرياض لا تتعامل معها من منطلق الدخول في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، بل وفق حساباتها الخاصة في تقدير طبيعة الاعتداء وتوقيت التعامل معه، مؤكدا أن كل القراءات تقول بأن المملكة العربية السعودية لا تضع نفسها خصما لميليشيا بائسة. وشدد، في الوقت نفسه، على أن السعودية تتمتع بقدرة على تقدير الأمور، واختيار التعامل مع كل الاعتداءات بالطريقة، والوقت المناسب.
إذا، وعلى الرغم من محاولات المملكة العربية السعودية تجنب الانخراط في هذا الصراع، وحماية أمنها ومصالحها بعيدا عن ساحاته، لا تزال الرياض تتعامل مع الاعتداءات التي تطالها بحذر ودقة، رافضة الانجرار إلى مواجهة أوسع، في وقت تبقي فيه قرار الرد وتوقيته وطريقته رهنا بما تفرضه التطورات على الأرض.