August 10, 2026   Beirut  °C
سياسة

العميد طوني أبي سمرا: اتفاقية مكة ستصطدم برفض إسرائيلي وقبول أميركي على مضض

تفتح اتفاقية الدفاع المشترك التي وقّعتها السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة، في مكة المكرمة، الباب أمام تحوّل لافت في بنية التحالفات الأمنية والعسكرية في المنطقة، بما يتجاوز إطار التعاون الثنائي أو التنسيق التقليدي بين الدول الثلاث.

فالخطوة تؤسس لتكتل يمتلك مقومات عسكرية وسياسية واقتصادية وازنة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتنامي النفوذ الإيراني وأذرعه المسلحة. ومن شأن هذا التقارب أن يعيد رسم معادلات الردع، خصوصًا في الخليج، وأن يفرض قيودًا إضافية على هامش تحرك الحوثيين والحشد الشعبي وسائر القوى المرتبطة بإيران.


كما أن انفتاح الاتفاقية على انضمام دول أخرى قد يمنحها بعدًا إقليميًا أوسع، ويحوّلها تدريجيًا إلى إطار أمني مؤثر في المنطقة.


وفي قراءة تحليلية معمّقة لمآلات هذا الاتفاق، رأى العميد المتقاعد طوني أبي سمرا أن الإطار العام لاتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان لا يزال معقدًا وغير واضح المعالم، مشيرًا إلى أن فهم تداعياتها يستوجب التوقف عند مصالح كل طرف من أطرافها، وما يحيط بها من تناقضات داخلية وإقليمية ودولية.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن صراعًا داخليًا كان قائمًا في تركيا حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤديه أنقرة، بين توجّه يدفع باتجاه الانفتاح على الدول العربية والاضطلاع بدور سني فيها، وتوجه آخر يفضل تعزيز موقع تركيا ضمن محور أوروبا وآسيا، معتبرًا أن هذا التباين جعل طبيعة التحالفات التركية وأهدافها غير محسومة بصورة كاملة، خصوصًا أن تركيا تحتل موقعًا سنيًا أساسيًا في العالم الإسلامي، في وقت كانت السعودية تنظر تقليديًا إلى الدور التركي السني باعتباره منافسًا لدورها.


وأضاف أبي سمرا أن المسألة الأساسية بالنسبة إلى أنقرة تتمثل في طبيعة الدور القيادي داخل العالم السني، وما إذا كانت تركيا تسعى إلى الاضطلاع بهذا الدور على حساب السعودية، معتبرًا أن هذه المسألة تشكّل إحدى أبرز نقاط التناقض الكامنة خلف الاتفاق. كما لفت إلى أن تركيا تمتلك مصالح متعددة ومتوازية باتجاه أوروبا وآسيا والعالم السني، الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول مدى إمكانية التوفيق بين هذه المصالح في حال طلبت السعودية من أنقرة تنفيذ التزامات محددة بموجب اتفاقية الدفاع المشترك.


وأشار أيضًا إلى أن الملف السوري يشكّل عاملًا إضافيًا من عوامل التعقيد في العلاقة السعودية - التركية، إذ إن المنافسة بين البلدين في سوريا كانت ولا تزال قائمة على الأرض، رغم التقارب السياسي بينهما، معتبرًا أن عدم وضوح مستقبل الوضع السوري يطرح إشكالية بشأن طبيعة تعامل التنظيمات الإسلامية المدعومة من تركيا مع المصالح السعودية، ولا سيما في ظل المخاوف السعودية من الرسائل التي من الممكن أن تبعث بها التنظيمات الإسلامية الجهادية، ومن انعكاس ذلك على نظام يقوم على حكم العائلة المالكة وينظر تقليديًا بحذر شديد إلى التيارات الإسلامية الجهادية.


أما بالنسبة إلى باكستان، فرأى أبي سمرا أن الصورة ليست أقل تعقيدًا، خصوصًا أن إسلام آباد دولة نووية، وأن دخولها في تحالف إقليمي جديد يمكن أن يضع توازناتها الإستراتيجية مع الهند وأفغانستان وإيران أمام اختبارات دقيقة. وتوقف عند الوضع في بلوشستان، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الأراضي الباكستانية يقع في هذه المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية، والتي تشهد نزعات انفصالية، فضلًا عن وجود امتدادات بلوشية داخل إيران.


وحذر من أن التقارب الباكستاني - السعودي يمكن أن يدفع إيران إلى استثمار ورقة البلوش لزعزعة الاستقرار داخل باكستان، ما سيضع القيادة الباكستانية أمام اختبار حقيقي لمدى استعدادها للدخول في مواجهة إقليمية من هذا النوع. كما اعتبر أن العلاقات الباكستانية - القطرية تشكّل عنصرًا مهمًا في فهم التموضع الجديد، وقال إن المشهد الإقليمي بدأ يظهر، ولو بصورة أولية، على شكل محور يضم قطر والسعودية وتركيا وباكستان، في مقابل تحالف إسرائيلي - إماراتي، مشددًا على أهمية مراقبة ديناميات هذا الاصطفاف وتطورها.


وعلى المستوى السعودي، اعتبر أبي سمرا أن الاتفاقية ترتبط بدرجة كبيرة بالحاجة إلى تأمين استمرارية النظام وحماية المملكة من أي تحديات داخلية محتملة، خصوصًا في مرحلة انتقال الحكم. ورأى أن الدعم التركي والباكستاني يمكن أن يشكّل جزءًا من محاولة لضمان استقرار النظام في حال حدوث أي تحدٍّ داخلي، إلا أنه شكك في مدى قدرة هذا التحالف على تحقيق هذه الغاية.


ولفت كذلك إلى أن دخول السعودية في محور إسلامي سني أعطى الاتفاق بعدًا يتجاوز الحسابات الأمنية، إذ من الممكن أن يظهر هذا المحور في مواجهة غير مباشرة مع محور إسرائيل والإمارات، ومع مشروع اتفاقات أبراهام الذي شمل إسرائيل والإمارات والهند، معتبرًا أن دخول باكستان في هذا الترتيب يحمل أيضًا أبعادًا مرتبطة بتوازن القوى مع الهند، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة التحالف السعودي - التركي - الباكستاني على تحمّل مواجهة إستراتيجية مع منظومة مرتبطة باتفاقات أبراهام.


وفي المقابل، قال أبي سمرا إن إسرائيل ستتعامل مع هذا التطور بكثير من الحذر، على المديين القصير والطويل، ولا سيما حيال تنامي الدور التركي في الشرق الأوسط ودخول أنقرة على خط التطورات في سوريا، ثم تعزيز حضورها في السعودية، مضيفًا أن العامل السني القادم من آسيا، وتحديدًا من باكستان وجنوب آسيا، يمثّل عاملًا مختلفًا عن الحضور السني القادم من تركيا أو السعودية أو سوريا، وهو سيدفع إسرائيل إلى مراقبة هذا التوازن الجديد بدقة.


واعتبر أن تعقيد المشهد يرتبط أيضًا بتعدد المحاور والمصالح، بين محور إسرائيلي - إماراتي - هندي، ومحور تركي يتحرك بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، ومحور باكستاني يواجه تحديات مباشرة على حدوده مع أفغانستان وفي بلوشستان، ما يجعل قدرة التحالف الجديد على التحول إلى قوة متماسكة أمرًا غير محسوم.


وفي ما يخص لبنان، رأى أبي سمرا أن التطور ذكره، إلى حد ما، بتجربة حلف بغداد، حين تشكل إطار ضم تركيا والعراق وإيران وباكستان، معتبرًا أن على لبنان التعامل بحذر مع التحالف الجديد وعدم الانخراط فيه، نظرًا إلى تعقيد آليات تنفيذه وطبيعته الإقليمية، محذرًا من أن يتحول هذا المحور إلى إطار لمواجهة المحور الإيراني الشيعي في المنطقة، بما يمكن أن يعيد إنتاج الانقسام السني - الشيعي ويؤسس لمزيد من التوتر والفتنة.


واعتبر أن تحويل الاتفاق إلى مشروع مواجهة مذهبية مع إيران أو القوى الشيعية في العراق ولبنان سيشكل مشروع حرب، خصوصًا إذا جرى استدراج باكستان إلى صراع مذهبي في المنطقة، الأمر الذي من شأنه أن يوسع نطاق المواجهة بدلًا من احتوائها.


وفي هذا السياق، توقف أبي سمرا عند عدم انضمام مصر إلى الاتفاق، معتبرًا أن هذه المسألة تحمل دلالات مهمة. وقال إن القاهرة لا تريد الدخول في فتنة سنية - شيعية قد تهدد مصالحها، سواء في قناة السويس أو السودان أو الشرق الأوسط، كما أنها ليست مستعدة للتخلي عن موقعها التاريخي كإحدى أبرز مراكز القيادة السنية العربية لمصلحة تركيا وباكستان، مرجحًا لذلك أن تبقى مصر خارج هذا التحالف، وأن تحافظ على موقف متوازن بين المحاور المختلفة، بدلًا من الانضمام بصورة مباشرة إلى أي منها.


أما بالنسبة إلى الأردن، فرأى أنه من الدول المرشحة للانضمام، لكنه سيبقى شديد الحذر، نظرًا إلى علاقاته مع إسرائيل والإمارات من جهة، وحاجته إلى الدعم السعودي من جهة أخرى.


وفي ما يتعلق بالموقف الأميركي، اعتبر أبي سمرا أن واشنطن ليست مرتاحة تمامًا لقيام محور سني تركي - سعودي - باكستاني يمكن أن يتحول، ولو بصورة غير معلنة، إلى منافس لمشروع أبراهام. لكنه لم يستبعد أن تتعامل الولايات المتحدة مع الاتفاق بصورة مرحلية، وأن تقبله ضمن حدود معينة بهدف دعم استقرار الحكم في السعودية ومنع أي تحد داخلي محتمل.


وخلص إلى أن واشنطن يمكن أن تضغط على إسرائيل لقبول هذا التحالف إذا كان دوره محصورًا في دعم استقرار النظام السعودي، لكنها لن تكون مستعدة، على الأرجح، لقبوله إذا تحول إلى مشروع إقليمي منافس لاتفاقات أبراهام، أو إلى محور قادر على إعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط.


وعليه، وفي وقت لا تزال مواقف دول المنطقة من الاتفاق متفاوتة بين الحذر والتحفظ وعدم الانخراط، ومع بقاء مصر خارج الترتيب، وتريث دول أخرى كالأردن، مقابل الحذر الأميركي والإسرائيلي، تبدو قدرة التحالف على التحول إلى منظومة أمنية متماسكة موضع اختبار، رهن قدرته على توحيد الرؤى وتحديد أولوياته الأمنية، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويحدّ من احتمالات التصعيد.