مع استمرار الاعتداءات التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية، سواء بشكل مباشر من إيران أو عبر أذرعها في المنطقة، تبدو الرياض أمام مرحلة مختلفة في طريقة التعامل مع هذه التهديدات. فبعد سنوات من سياسة الصبر وضبط النفس، جاء الرد السعودي ليعكس توجهًا أكثر حزمًا في التعامل مع مصادر الهجمات، وسط ترقب عربي واسع لما يمكن أن تفرضه هذه السياسة من معادلة جديدة للردع في المنطقة.
وفي ظل هذا المسار، لم تعد الردود السعودية تقتصر على التصدي للهجمات، بل باتت تحمل رسالة واضحة مفادها أن استهداف المملكة لن يبقى من دون كلفة، وأن أي جهة تفكر في ضرب السعودية أو أي دولة خليجية ستدرك أن الرد هذه المرة سيكون مختلفًا.
فكيف ستتعامل المملكة مع أي اعتداءات جديدة في المرحلة المقبلة، في حال تكررت أو توسعت؟ وهل تتجه الرياض إلى تعزيز تعاونها الدفاعي مع دول الخليج؟
وانطلاقًا من ذلك، أكد الكاتب والمحلل السياسي السعودي وعضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية، سليمان العقيلي، أن انتقال السعودية من الاكتفاء باعتراض الهجمات إلى ضرب مصادر النيران ومواقع القيادة واللوجستيات التابعة للفصائل المرتبطة بإيران، كما نُفّذ في العراق بالتنسيق مع الولايات المتحدة، يُعد انتقالًا من "الدفاع الاعتراضي" إلى "الردع النشط".
وأوضح، عبر منصّة "بالعربي"، أن هذه الخطوة تحمل رسائل متعددة المستويات، أولها إلى طهران، ومفادها أن كلفة الاعتداء لن تقتصر على إسقاط المسيّرات أو الصواريخ، بل ستشمل ضرب البنية التشغيلية للفصائل التي تنفذ الهجمات، بما يرفع الكلفة السياسية والعسكرية لأي مغامرة.
وأضاف العقيلي أن الرسالة موجهة أيضًا إلى الميليشيات الموالية لإيران، ومفادها أن غطاء "الإنكار المفهوم" لم يعد مجديًا، وأن أي هجوم يُنسب إليها سيُقابل برد مباشر على مصادره. وعلى مستوى المنطقة والعالم، أشار إلى أن السعودية ستدافع عن منشآتها الحيوية وفق مبدأ التناسب وفي إطار القانون الدولي، لكنها لن تترك الهجمات تمر من دون ثمن.
وفي تفسيره للسلوك الإيراني، كشف أن هذه السلوكيات تُفسر ضمن منطقين؛ أولهما منطق الضغط غير المباشر، إذ حين تتعرض إيران لضربات مباشرة، تلجأ أحيانًا إلى رفع كلفة المواجهة على حلفاء واشنطن عبر استهداف البنية الحيوية في الخليج، بما فيها منشآت الطاقة، لتحقيق تأثير اقتصادي وسياسي إقليمي وعالمي واسع. أما المنطق الثاني، فيتمثل في استخدام الوكلاء والتدرج، من خلال توظيف فصائل مرتبطة بها لإيصال رسائل مع الحفاظ على مسافة رسمية، لافتًا إلى أن هذا النمط يتآكل مع تحول الدول المستهدفة إلى ضرب المصادر نفسها، كما فعلت الرياض.
ورجح العقيلي أن يحد الرد السعودي من تواتر الهجمات عبر الوكلاء، لأنه يحوّل "الرد الرخيص" إلى "مخاطرة مكلفة" على الشبكة اللوجستية لتلك الفصائل، لكنه شدد على أن ذلك لا يلغي احتمال تنفيذ تجارب متقطعة لاختبار العزم. وفي حال تكررت الاعتداءات أو توسعت، توقع تحولات في العقيدة الدفاعية السعودية، من "الدفاع البحت" إلى "الردع الاستباقي النشط"، أي عدم الانتظار حتى تخترق الهجمات أهدافها، بل العمل على حرمان الخصم من القدرة على الإطلاق، عبر استهداف مواقع التحضير والتخزين والقيادة.
كما أشار إلى توسيع نطاق الرد القانوني، مع التأكيد المتكرر على الحق في الدفاع عن النفس، استنادًا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، بما يمنح غطاءً لتصعيد مضبوط ومحدود الأهداف ضد مصادر العدوان. ولفت إلى تحميل الدول المضيفة مسؤولية ضبط أراضيها، كما ظهر في الضغط على بغداد لمنع استخدام العراق منصةً ومنطلقًا للهجوم، مع التلويح باستمرار الرد المباشر إذا تواصلت الهجمات. وبناءً على هذا المسار، رأى أن السعودية تتجه إلى نموذج يدمج الاعتراض الجوي مع عمليات استباقية دقيقة ضد شبكات الإطلاق واللوجستيات، مع تنسيق أوثق مع الشركاء الدوليين.
وعلى صعيد التعاون الخليجي، بين العقيلي أن التهديد الإيراني المشترك يعزز التنسيق الدفاعي بين دول الخليج، مشيرًا إلى تأييد دول مجلس التعاون للضربات السعودية ضد مصادر التهديد في العراق، ووصفها استهداف المنشآت النفطية بأنه تهديد للأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. كما أشار إلى البيانات المشتركة التي تدين الهجمات الإيرانية وتؤكد الحق في الرد الجماعي والفردي، معتبرًا أنها تعكس تقاربًا في الموقف الاستراتيجي، إلى جانب الحديث عن أطر تعاون بحري ودفاعي تركز على حماية الممرات وتبادل المعلومات والاستخبارات، لا بالضرورة على المواجهة المباشرة مع إيران، لكنها تعزز الردع الجماعي، مثلما يحدث في التحالف البحري الدفاعي.
ورأى أن المسار يشير إلى تعميق التكامل الدفاعي الخليجي، من خلال مشاركة الإنذارات المبكرة، وحماية البنية الحيوية بصورة مشتركة، وإجراء تدريبات مشتركة، لأن أي ضربة على منشأة طاقة في دولة تُعد ضربة على أمن الطاقة للجميع، إذ بات أمن الطاقة في دولة واحدة مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الطاقة والاستقرار في دول الخليج كافة.
إذًا، تبدو السعودية اليوم أمام مرحلة جديدة في حماية أمنها، مع إصرار أكبر على تعزيز قدراتها وتوسيع شراكاتها الدفاعية، وهو ما ظهر في معاهدة مكة. وفي المقابل، يبرز توجه خليجي متزايد نحو تنسيق المواقف والقدرات الدفاعية، بما يعكس سعيًا إلى توسيع دائرة الحماية والردع في مواجهة أي تهديدات جديدة، وجعل أمن دول الخليج جزءًا من معادلة دفاعية أكثر تنسيقًا.