August 08, 2026   Beirut  °C
سياسة

الباحث السعودي الدكتور محمد الحربي: تحالف السعودية وتركيا وباكستان ستكون له انعكاسات على موازين القوى العالمية

في توقيت إقليمي حساس، تشهد فيه المنطقة تصاعدا في التوترات الأمنية، وُقعت اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، لتشكل محطة لافتة في مسار العلاقات بين الدول الثلاث.


الاتفاق، الذي يرفع مستوى التعاون الدفاعي بين هذه الدول، يأتي بعد سنوات من تطور العلاقات العسكرية الثنائية، وفي ظل إعادة تقييم دول المنطقة لشراكاتها الأمنية. ولا تنفصل هذه الخطوة عن التحولات التي طرأت على المشهد الإقليمي، حيث باتت قضايا الردع والدفاع المشترك وحماية المصالح الاستراتيجية في صلب حسابات العديد من الدول، ما يطرح أسئلة حول طبيعة هذا الاتفاق، وما إذا كان يؤسس لترتيبات أمنية أوسع في المنطقة.


في هذا الإطار، أكد أستاذ الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية السعودي، الدكتور محمد الحربي، أن معاهدة الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تمثل، برأيه، فجرًا جديدًا في هندسة التحالفات، مشيرًا إلى أنها تشكل تحالفًا استراتيجيًا يرسخ ركائز الاستقرار الإقليمي، ويؤسس لردع متكامل يرتكز على السيادة والقوة المشتركة في مواجهة التحديات الجيوسياسية المتسارعة.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن هذا التعاون لا يقتصر على التنسيق الأمني التقليدي، بل يشمل المجالات الجوية والبرية والبحرية، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والتقنيات الدفاعية، معتبرًا أن المعاهدة تشكل إطارًا لدمج القدرات العسكرية والصناعية والدفاعية للدول الثلاث ضمن منظومة أكثر تكاملًا.


وأوضح الحربي أن هذا المسار ليس وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تعاون متراكم خلال السنوات الماضية، لافتًا إلى أن العلاقات الدفاعية السعودية–التركية تطورت خلال نحو أربعة أعوام، خصوصًا في مجال الطائرات المسيرة والصناعات الدفاعية، إلى جانب التعاون في مجال الطائرات المقاتلة، فضلًا عن التعاون في إعادة التصدير والتصدير ضمن سلاسل الأمن والدفاع التركية عبر المملكة العربية السعودية.


وأضاف أن توقيع السعودية وباكستان معاهدة دفاعية استراتيجية عام 2025 شكل محطة أساسية في هذا المسار، لافتًا إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة جاء بعد دراسات واجتماعات واتصالات امتدت، بحسب قوله، على مدى أربع إلى خمس سنوات. واعتبر أن المعاهدة تختلف عن الاتفاقيات المرحلية، لأنها تقوم على بُعد استراتيجي مستدام، خصوصًا في ظل التحديات المرتبطة بالممرات البحرية وخطوط الملاحة.


وفي ما يتعلق بتأثير هذه المعاهدة على السياسة الدفاعية السعودية، ولا سيما في ظل شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، بيّن الحربي أن العلاقة بين الرياض وواشنطن تبقى استراتيجية ومهمة، وممتدة منذ عام 1945 وحتى اليوم، لكنه اعتبر أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي تدفع الدول إلى توسيع خياراتها الدفاعية. ولفت إلى أن السعودية وتركيا وباكستان تمتلك عناصر قوة متكاملة، مشيرًا إلى أن عدد سكان الدول الثلاث يقترب من 400 مليون نسمة، فيما تبلغ مساحتها نحو 3.9 ملايين كيلومتر مربع، أي ما يساوي مساحة 26 دولة من دول الاتحاد الأوروبي، بحسب تعبيره، الأمر الذي يمنح التعاون بينها ثقلًا جغرافيًا وديمغرافيًا وعسكريًا.


واعتبر أن تغيّر طبيعة التهديدات والانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب أعادا تعريف مفهوم الأمن والدفاع، بحيث أصبحت القوة العسكرية، بحسب تقديره، عنصرًا أساسيًا في حماية المصالح الاقتصادية والسياسية والمجتمعية للدول، معتبرًا أن المعاهدة تأتي ضمن هذه التحولات الكبرى.


وعن القيمة التي يقدمها كل طرف في هذا التعاون، كشف الحربي أن المعادلة تقوم على تكامل القدرات، مشيرًا إلى التكنولوجيا والحرب الإلكترونية وصناعة السفن المقاتلة والطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بالحروب الحديثة. واعتبر أن تركيا تضيف خبرة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا، فيما تمتلك باكستان قدرات عسكرية كبيرة، بينما تعمل السعودية على تعزيز حضورها في قطاع الصناعات العسكرية.


وفي هذا السياق، لفت إلى دخول المملكة في شراكات للتصنيع العسكري، وإلى هدفها، ضمن رؤية 2030، توطين الصناعات الدفاعية تدريجيًا وصولًا إلى 50%. واعتبر أن الجمع بين الاستثمارات والقدرات التصنيعية السعودية، والخبرات التكنولوجية والدفاعية التركية، والقدرات العسكرية الباكستانية، يمنح هذا التعاون وزنًا استراتيجيًا، مشددًا على أهمية الذكاء الاصطناعي والمجالات السيبرانية في الجيوش الحديثة.


ووصف الحربي المجال السيبراني بأنه "الذراع الرابعة للجيوش المتقدمة الحديثة"، معتبرًا أن الدول التي لا تواكب التطور التكنولوجي ستتأخر عن مسار التحولات العسكرية المقبلة. كما اعتبر أن هذا التعاون لا يمثل شراكة فنية مرحلية أو تكتيكية، بل يتجه نحو تحالف استراتيجي متناسق، متوقعًا أن تكون له انعكاسات على موازين القوى العالمية.


ولفت إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية والتقنيات الحديثة إلى العمليات العسكرية أدى إلى تغيير طبيعة الحروب، لتصبح قائمة على دمج مختلف المجالات والقدرات، بدلًا من الاعتماد على القوة التقليدية وحدها.


إذًا، تضع هذه المعاهدة الدول الثلاث أمام اختبار تحويل الإمكانات التي تمتلكها إلى تعاون دفاعي فعلي، في وقت تعيد فيه المنطقة رسم ملامح أمنها وسط تحولات متسارعة، ليبقى مدى قدرة هذا التقارب على الانتقال من مستوى الطموح إلى واقع ملموس هو ما سيحدد وزنه الحقيقي في المرحلة المقبلة.