July 30, 2026   Beirut  °C
سياسة

"فترة الصبر الاستراتيجي انتهت".. الكاتب السياسي السعودي سامي المرشد: التدخل الإيراني عبر الميليشيات سيصبح من الماضي

بعد سنوات من اعتماد سياسة الصبر الاستراتيجي وتجنب الانخراط في المواجهات المباشرة، فعلتها السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، لترد بضربات استهدفت الأذرع الإيرانية في العراق، في خطوة حملت رسائل تتجاوز بعدها العسكري، وسط تصاعد الهجمات التي استهدفت أمن المملكة ودول الخليج.

السعودية التي لطالما تحملت هجمات إيرانية على أراضيها من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة، تبدو اليوم أمام مرحلة مختلفة. فهل تؤسس هذه الضربة لمرحلة ردع جديدة؟ وإلى أي مدى سيتعزز التنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي لمنع تكرار استهداف أمنها ومنشآتها الحيوية؟

في هذا الإطار، أكد الكاتب السياسي والمختص في العلاقات الدولية الأستاذ سامي المرشد أن الأذرع الإيرانية في العراق زرعت منذ زمن بعيد، كما زرع حزب الله في لبنان، ولاحقا الحوثيون في اليمن، موضحا أن الهدف منها كان زعزعة الأمن والاستقرار والهيمنة على هذه الدول، من خلال العبث بالأمن المجتمعي، واستغلال البعد المذهبي لإحداث الفرقة بين أبناء الدولة الوطنية، لا سيما في العراق.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن الهدف من إنشاء هذه الأذرع لم يقتصر على تحقيق المشروع الإيراني للهيمنة والتوسع، بل أعدت أيضا للدفاع عن النظام الإيراني إذا تعرض لأي تهديد، لأن طهران كانت تدرك، بحسب تعبيره، أن سياساتها التوسعية في المنطقة لن تستمر، وأنه سيأتي يوم تحاسب فيه من الدول العربية والمجتمع الدولي بسبب تبنيها الإرهاب والميليشيات الخارجة عن القانون، التي تحمل السلاح خارج إطار الشرعية، وتشجع على الفساد، وتمنع الدولة من ممارسة سيادتها الكاملة، مشيرا إلى أنه مع اندلاع الحرب وتعرض النظام الإيراني لضغوط كبيرة ولضربات أميركية وصفها بـ "القوية والتاريخية"، عمدت طهران إلى تحريك أذرعها لاستهداف دول الجوار بهدف تخفيف الضغط عنها. واعتبر أن هذه المجموعات جزء لا يتجزأ من النظام الإيراني والحرس الثوري الإيراني، وتتبع لما يعرف بفيلق القدس بقيادة إسماعيل قاآني.


وأوضح المرشد أن الرد السعودي، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية، جاء بعد تحذيرات استمرت لأشهر، بل سبقت اندلاع الحرب، إذ كانت المملكة تحذر الحكومة العراقية باستمرار من أنها لن تقبل بأن تستهدف المملكة أو دول الخليج من الأراضي العراقية. وقال إن الحكومات العراقية المتعاقبة كانت تشكل لجانا وتقدم وعودا، إلا أن هذه الوعود لم تنفذ، ولم تلمس المملكة جدية في معالجة هذا الملف.


ولفت إلى أن الضربتين الأخيرتين اللتين استهدفتا منشآت نفطية شكلتا نقطة تحول، إذ كان واضحا من بيان المملكة أنها لن تسكت على هذه الاعتداءات بعد اليوم، لذلك اتخذت هذا الإجراء العسكري التأديبي، بهدف دفع الحكومة العراقية إلى القيام بمسؤولياتها، وحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء هذه الاعتداءات، مؤكدا أن الضربة كانت مركزة ومحددة، وأن المملكة لا تسعى إلى التصعيد، بل إلى توجيه رسالة ردع لهذه الفصائل ومنعها من الاستمرار في تنفيذ أوامر الحرس الثوري الإيراني وإيذاء المملكة ودول الخليج.


وفي هذا السياق، اعتبر المرشد أن ما حصل يمثل تحولا في السياسة السعودية، موضحا أن المملكة اعتمدت طوال المرحلة الماضية سياسة "الصبر الاستراتيجي"، وحرصت، من خلال بياناتها الواضحة، على تجنيب العراق أي تداعيات، انطلاقا من حرصها على نجاح الحكومة العراقية في إعادة الأمن والاستقرار واستعادة سيادة الدولة. وقال إن التطورات الأخيرة، سواء من خلال البيانات أو الضربات العسكرية، تؤكد انتهاء مرحلة الصبر الاستراتيجي، وأن المملكة سترد عسكريا على مصادر النيران أينما كانت، سواء انطلقت من العراق أو اليمن أو أي مكان آخر.


وبيّن أن الميليشيات المدعومة من إيران تشكل خطرا على الدول الموجودة فيها، موضحا أن الميليشيات الولائية العراقية تمثل تهديدا للعراق والعراقيين قبل أن تكون خطرا على المملكة ودول الخليج وأمن واستقرار المنطقة. وشدد على أن ميليشيا الحوثي تشكل خطرا على اليمن واليمنيين والدولة اليمنية، كما أن اللبنانيين عانوا من حزب الله، مشيرا إلى أن المملكة تدعم الحكومات الشرعية والسيادية في لبنان والعراق واليمن، من أجل حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء هذا العبث الذي تمارسه الميليشيات.


وعن موقف مجلس التعاون الخليجي، شدد المرشد على أن دول المجلس تمثل منظومة واحدة، وأن هناك تنسيقا عالي المستوى على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية، إلى جانب غرف عمليات مشتركة، مؤكدا أن بيانات التضامن التي صدرت عن دول المجلس مع المملكة والكويت والإمارات والبحرين تعكس وحدة الموقف في مواجهة الاعتداءات التي تنفذها هذه الميليشيات بأوامر من الحرس الثوري الإيراني، سواء باستهداف الأعيان المدنية أو المنشآت الحيوية داخل دول الخليج.


وأشار إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة منذ اندلاع الحرب، معتبرا أن التدخل الإيراني عبر الميليشيات المنتشرة في عدد من الدول العربية سيصبح من الماضي قريبا، في ظل وجود إجماع عربي وإقليمي ودولي على إنهاء هذا الواقع. وتحدث عن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي وصف فيها هذه الأذرع والميليشيات بـ "السرطان الذي يجب اقتلاعه"، معتبرا أن الولايات المتحدة، إلى جانب دول المنطقة، تتجه إلى تأديب هذه الميليشيات واستهدافها والقضاء عليها، في ظل عجز بعض الحكومات، أو عدم رغبة بعضها، في إنهاء وجودها.


وتابع المرشد أن الحكومات التي توجد على أراضيها هذه الميليشيات لم تتمكن من السيطرة عليها سياسيا أو أمنيا أو عسكريا، الأمر الذي يجعلها، وفقا لوصفه، غير قادرة على فرض سيادتها الكاملة، موضحا أن الدولة التي لا تسيطر على كامل أراضيها، ولا تمتلك القرار السيادي، ويكون فيها سلاح خارج سلطة الدولة، قد يصبح أقوى من مؤسساتها، تصنف في القانون الدولي دولة فاشلة، ما يتيح للدول الأخرى، وفقا للقواعد المتعارف عليها، التدخل للدفاع عن أمنها وحدودها ومصالحها، واستهداف هذه الميليشيات، كما يتيح للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية التدخل لمساعدة السلطات الشرعية على إنهاء وجود السلاح الخارج عن الدولة.


ورأى أن المملكة ودول الخليج، ومعها الولايات المتحدة، تستند إلى هذا الواقع في مواجهة هذه الميليشيات، ومساعدة السلطات الحكومية، لا سيما في العراق، على إنهاء السلاح غير الشرعي، بما يمكن الدولة الوطنية من بسط سيادتها، وحماية حدودها، ومنع استخدام أراضيها منصة لاستهداف دول الجوار.


في المحصلة، لا تقتصر دلالات هذه الضربة على بعدها العسكري، بل تعكس مستوى التنسيق بين السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات التي تمثلها الأذرع الإيرانية، في وقت تؤكد فيه واشنطن، وعلى لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عزمها على مواصلة ملاحقة هذه الجماعات.