July 29, 2026   Beirut  °C
سياسة

الباحث السعودي مبارك آل عاتي: الاعتداءات على المملكة ليست حادثا أمنيا عابرا

بعد إعلان وزارة الدفاع السعودية، الأربعاء، تنفيذ ضربات نوعية محددة ضد أهداف تابعة لميليشيات موجودة على الأراضي العراقية ومرتبطة بالاستهدافات التي طالت المنشآت البترولية في المملكة، وذلك بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، دخلت المواجهة مرحلة جديدة، انتقلت فيها الرياض من التحذير والاحتفاظ بحق الرد إلى تنفيذ رد عسكري مباشر. 

وجاءت هذه الضربات بعد أيام من إعلان المملكة اعتراض وتدمير مسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية، حاولت استهداف منشآت نفطية في المنطقتين الشرقية والرياض، ما دفع الحكومة العراقية إلى فتح تحقيق، مع تأكيدها رفض استخدام أراضيها منطلقًا لأي اعتداء على دول الجوار.


ولم يقتصر الموقف السعودي على الإعلان عن إحباط الهجوم، بل تضمن تحديدًا واضحًا لمصدر انطلاق المسيرات، قبل أن يترجم ذلك عمليًا بتنفيذ ضربات استهدفت، وفق ما أعلنته الرياض، مواقع مرتبطة بالجهات المسؤولة عن تلك الهجمات. وهو ما فتح الباب أمام نقاش أوسع حول دلالات هذا التحول، وانعكاساته على العلاقة مع بغداد، وعلى مسار التعامل مع الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة في المنطقة.


فما الرسائل التي تحملها الضربات السعودية؟ وهل تؤسس لمرحلة جديدة في التعامل مع مصادر التهديد التي تستهدف أمن المملكة ومنشآتها الحيوية؟


في هذا الإطار، أكد الباحث في العلاقات الدولية، مبارك آل عاتي، أن إعلان السعودية بشكل صريح أن العراق كان مصدر انطلاق المسيرات التي استهدفت منشآتها النفطية أسقط سياسة الغموض، وكشف وعرى الفصائل والميليشيات المدعومة من إيران، منهيًا حالة الالتباس حول مصدر الهجمات. وبرأيه، فإن هذا الإعلان تجاوز فرضية اقتصار التهديد على الجبهة الشرقية مع إيران أو الجنوبية مع الحوثيين، وحمل الحكومة العراقية المسؤولية السياسية والقانونية، واضعًا إياها أمام التزام مباشر بضبط حدودها وسلاح الفصائل داخل أراضيها، باعتبار أن استغلال الأراضي العراقية لشن هجمات يرتب على الدولة التزامات بموجب القانون الدولي.


وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن إعلان المملكة احتفاظها بحق الرد لم يكن مجرد رسالة سياسية، بل تُرجم عمليًا من خلال الضربات النوعية التي استهدفت مواقع مرتبطة بالهجمات، ما يؤكد أن السعودية انتقلت من مرحلة التحذير إلى مرحلة الردع المباشر، مع الحرص على أن يكون الرد محددًا وموجهًا ضد مصادر التهديد. واعتبر أن الإعلان السعودي لا ينقل المعركة إلى ساحة جديدة بقدر ما يعلن رسميًا كشف المنظومة الأمنية السعودية لهذه الساحة، لافتًا إلى أن التهديد تحول من "جبهة واحدة" إلى "قوس إقليمي متكامل"، يتطلب تنسيقًا دبلوماسيًا وأمنيًا عاليًا مع بغداد، إلى جانب مواصلة تطوير شبكات الدفاع الجوي والراداري لحماية المنشآت الحيوية من مختلف الاتجاهات.


ورأى آل عاتي أن هذه الاعتداءات ليست حادثًا أمنيًا عابرًا، لأنها تستهدف البنية التحتية للطاقة، حتى وإن كان أثرها المادي محدودًا وتم احتواؤها سريعًا. وأوضح أن الجهات المنفذة والداعمة لها تسعى إلى التذكير بامتلاكها أدوات ضغط منخفضة الكلفة، مثل الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية، التي غالبًا ما تُستخدم لاختبار منظومات الدفاع الجوي وتكتيكات الاستجابة السريعة. لكنه شدد على أن ما جرى لا يمثل بداية مرحلة جديدة، بل استمرارًا وتطويرًا لأدوات ضغط قائمة بالفعل، لافتًا إلى أن المملكة طورت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية دفاعية مرنة وسريعة التعافي، أثبتت قدرتها على ضمان استمرار الإمدادات حتى عند تعرض بعض المرافق للاستهداف، ما يجعل كلفة الضغط على المملكة أعلى بالنسبة إلى الجهة المنفذة، وأقل فاعلية في تحقيق مكاسب سياسية. كما أشار إلى أن رؤية السعودية 2030 وسياسة تصفير المشكلات منحتا الرياض شبكة واسعة من الشركاء شرقًا وغربًا، الأمر الذي يقلل من فاعلية سياسة الضغط عبر الطاقة، خصوصًا أن أي استهداف جدي لأمن الطاقة السعودي يمس الاقتصادات العالمية، ويضع الجهة المنفذة في مواجهة المجتمع الدولي، وليس المملكة وحدها.


وفي ما يتعلق بالعلاقات السعودية - العراقية، اعتبر آل عاتي أن مطالبة الرياض بغداد بمنع استخدام أراضيها منصة للاعتداءات تؤكد أن المملكة تتعامل مع القضية بحزم، وتعتبرها اختبارًا لقدرة الحكومة العراقية على حصر السلاح بيد الدولة وضبط الجماعات المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية. وأشار إلى أن الحكومة العراقية سارعت إلى فتح تحقيق، والتأكيد على التزامها بمبادئ حسن الجوار، في محاولة لحصر التوتر في إطاره الأمني ومنع انعكاسه على مسار التقارب مع السعودية. إلا أن تنفيذ الضربات السعودية، وفق قوله، يبعث برسالة واضحة مفادها أن المملكة لن تكتفي بالتحذيرات إذا تكررت الاعتداءات، وأن حماية أمنها ومنشآتها الحيوية تمثل أولوية لا يمكن التهاون فيها، مع إبقاء باب التنسيق مع الدولة العراقية مفتوحًا لمنع استغلال أراضيها من قبل الميليشيات.


وشدد آل عاتي على أن استهداف المنشآت النفطية يتجاوز البعد الإقليمي، لأنه يستهدف أمن الطاقة العالمي، عبر محاولة التأثير في الإنتاج والتصدير، وإرسال رسالة إلى القوى الكبرى في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة بأن أي تصعيد سينعكس مباشرة على أسواق النفط وسلاسل الإمداد ومعدلات التضخم. وبرأيه، فإن الهدف ليس الضغط على السعودية فحسب، بل جذب اهتمام القوى الدولية وفرض معادلات تفاوضية جديدة. وأكد أن المملكة تتعامل مع هذه التطورات بعقلانية استراتيجية توازن بين الردع والاستقرار، موضحًا أن المسار الدبلوماسي لا يتعارض مع الحزم، وأن الضربات الأخيرة تعكس انتقال الرياض من إعلان حق الرد إلى ممارسته عندما يقتضي الأمر، مع الحرص على أن تكون العمليات موجهة ضد مصادر التهديد، بما يشمل شبكات الإطلاق والقيادة ومستودعات التجهيز، بهدف عزل الميليشيات وتضييق الخناق عليها.


إذًا، وفي ظل استمرار إيران في استخدام أذرعها في المنطقة أدواتٍ للضغط واستهداف أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج، تؤكد الرياض أنها تعتمد مقاربة تقوم على الردع المدروس، تجمع بين العمل الدبلوماسي والحزم العسكري. فالضربات التي نُفذت ضد أهداف مرتبطة بالهجمات داخل الأراضي العراقية تعكس انتقال المملكة من إعلان حق الرد إلى ممارسته، في رسالة واضحة مفادها أن أي اعتداء على أمنها أو منشآتها الحيوية لن يمر من دون رد، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب التصعيد غير المحسوب والحفاظ على استقرار المنطقة.