July 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

الدكتور زكريا الغول: لسنا أمام مرحلة سلام.. والحرب المقبلة لن تكون عسكرية فقط

مع كل تصعيد جديد بين طهران وواشنطن، يعود القلق من توسع المواجهات، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة أمام جولة جديدة من الصراع أم أن الأطراف لا تزال قادرة على احتواء التوتر ضمن حدود معينة. فالتجارب السابقة أظهرت أن الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن مجرد مواجهة عسكرية ظرفية، بل صراعا ممتدا على النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط.

وبينما تبقى قنوات التواصل مفتوحة، وتستمر الرسائل بين الطرفين، يبدو أن التفاهمات القائمة أقرب إلى إدارة للأزمة منها إلى حل نهائي، ما يضع المنطقة أمام احتمالات عدة. فهل ستعود المواجهات بين إيران والولايات المتحدة إلى أوجها؟ وما مصير دول الخليج والمنطقة في حال خرج التصعيد عن السيطرة؟

وعن احتمالية اندلاع جولة جديدة من المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، أكد المحامي الدكتور زكريا الغول أن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن هذه المواجهة قد انتهت، معتبرا أن الحروب الاستراتيجية لا تُقاس بعدد الضربات العسكرية أو بإعلان وقف إطلاق النار، وإنما بمدى تحقيق الأطراف لأهدافها السياسية والاستراتيجية. وانطلاقا من ذلك، رأى أن ما نشهده اليوم ليس نهاية للحرب، بل نهاية جولة من جولات صراع مفتوح لم تُحسم نتائجه بعد.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن التفاهمات التي رافقت المرحلة الأخيرة، سواء كانت معلنة أو حصلت عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، تبدو أقرب إلى ترتيبات لإدارة الصراع منها إلى تسوية نهائية، واصفا إياها بأنها تفاهمات هشة فرضتها موازين القوى والظروف الدولية أكثر مما فرضها توافق حقيقي بين الأطراف.


وأوضح الغول أن إيران تدرك أن عامل الوقت يشكل أحد أهم عناصر قوتها، ولذلك تسعى إلى إطالة أمد المفاوضات وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، بما يتيح لها إعادة ترتيب أولوياتها وتعزيز موقعها التفاوضي، لافتا إلى أن الولايات المتحدة تنظر، في المقابل، إلى الملف الإيراني من زاويتين متلازمتين، تتمثلان في حماية مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وعدم الانجرار إلى حرب واسعة قد تُثقل كاهلها سياسيا واقتصاديا، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.


وقال الغول إن إسرائيل تُعد الطرف الأكثر تشككا في أي تفاهم مع إيران، لأنها تعتبر المشروع النووي الإيراني تهديدا وجوديا لا يمكن التهاون معه، مستشهدا بالتصريحات المتكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي أكد فيها أن المواجهة مع إيران لم تنته، وأن إسرائيل ستواصل التحرك لمنع طهران من امتلاك القدرات التي تراها مهددة لأمنها القومي. وعليه، رأى الغول أننا لسنا أمام مرحلة سلام، بل أمام هدنة تكتيكية قد تطول أو تقصر، لكنها لا تلغي أن الصراع لا يزال قائما، وأن الجولة المقبلة تبقى احتمالا واقعيا متى تبدلت الظروف السياسية أو العسكرية.


ولفت إلى أن الحروب الكبرى في العلاقات الدولية كثيرا ما تبدأ نتيجة سوء تقدير أو خطأ في الحسابات أكثر مما تبدأ نتيجة قرار مسبق، معتبرا أن احتمالات الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا تزال قائمة، سواء بسبب تطور نوعي في البرنامج النووي الإيراني، أو استهداف مباشر لمصالح أميركية أو إسرائيلية، أو انهيار كامل لمسار التفاوض.


وفي المقابل، بيّن الغول أن هناك عوامل ردع لا تزال تحول دون اندلاع حرب شاملة، أبرزها إدراك كل الأطراف أن كلفة هذه الحرب ستكون مرتفعة للغاية. فالولايات المتحدة، بحسب رأيه، لا ترغب في استنزاف عسكري جديد، وإيران تدرك أن مواجهة مفتوحة قد تهدد استقرارها الداخلي، كما أن الاقتصاد العالمي لن يكون بمنأى عن تداعيات أي اضطراب في الخليج أو الممرات البحرية الدولية، معتبرا أن المرحلة الراهنة تعكس سياسة إدارة الصراع وتأجيل الانفجار أكثر مما تعكس الوصول إلى تسوية دائمة.


وعن انعكاسات أي مواجهة محتملة على دول الخليج، نوّه بأنه من الصعب جدا تصور بقائها خارج أي مواجهة أميركية - إيرانية، ليس لأنها طرف مباشر في النزاع، بل لأنها تمثل القلب الجيوسياسي للطاقة العالمية، وتستضيف منشآت وقواعد عسكرية تشكل جزءا من منظومة الأمن الإقليمي، مفيدا بأن التجارب السابقة أثبتت أن التوتر بين إيران وخصومها كثيرا ما انعكس على أمن الخليج، سواء عبر استهداف منشآت حيوية، أو تهديد الملاحة البحرية، أو استخدام أدوات الضغط غير المباشر. وأشار إلى أن عددا من الدول الخليجية باتت ينظر إلى السلوك الإيراني باعتباره أحد أبرز مصادر التهديد لأمنه الوطني، ما دفعها خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وتوسيع شراكاتها الاستراتيجية، مع السعي، في الوقت نفسه، إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.


أما على مستوى المنطقة، فرأى الغول أنه إذا اتسعت دائرة الحرب، فلن تبقى محصورة بين الولايات المتحدة وإيران، بل ستطال مجمل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، موضحا أن لبنان لا يزال أحد ساحات التنافس الإقليمي والدولي، إذ تسعى إسرائيل إلى إزالة مصادر التهديد على حدودها الشمالية، فيما يتمسك حزب الله، في إطار ارتباطه الاستراتيجي بإيران، بالإبقاء على الجبهة اللبنانية ضمن معادلة الردع الإقليمية. وبين هذين المسارين، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام تحدي حماية سيادتها ومؤسساتها، والحد من انعكاسات هذا الصراع على الداخل اللبناني الذي يعاني أصلا من أزمات سياسية واقتصادية عميقة.


وقال إن العراق يبقى ساحة مرشحة لتجدد المواجهات غير المباشرة بحكم تداخل النفوذ الأميركي والإيراني فيه، فيما ستنعكس تداعيات أي حرب في اليمن بصورة مباشرة على أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، بما يهدد حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. أما سوريا، فرأى أنها تشكل منطقة نزاع إسرائيلي - تركي، مع توجه عربي - أميركي لدعم الاستقرار وترسيخ قيادة أحمد الشرع ودعمه.


وفي ما يتعلق بإمكانات الحل الدبلوماسي، اعتبر الغول أن الدبلوماسية لا تزال قائمة، لكنها لم تعد دبلوماسية تسويات نهائية، بل أصبحت دبلوماسية إدارة الأزمات، موضحا أن كل الأطراف تدرك أهمية التفاوض، لكنها تستخدمه أيضا كوسيلة لكسب الوقت، وإعادة التموضع، وتحسين شروط التفاوض.


ورجح أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية من إعادة تشكيل النظام الإقليمي، معتبرا أن الصراع الدائر لا يتعلق فقط بالملف النووي الإيراني ولا يقتصر على أمن إسرائيل، وإنما يرتبط بإعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوى في المنطقة لعقود مقبلة. وقال إننا نعيش اليوم ما يمكن تسميته حرب إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وهي حرب قد لا تكون تقليدية في كل مراحلها، بل تتخذ أشكالا عسكرية وأمنية واقتصادية وسيبرانية ودبلوماسية متداخلة، وبالتالي فإن ما نراه اليوم ليس خاتمة للصراع، وإنما فصل جديد من فصوله، إلى أن تستقر موازين القوى على معادلة إقليمية جديدة تفرض شكلا مختلفا للاستقرار.


وعليه، ومع إبقاء باب التفاوض مفتوحا بين الطرفين، واستمرار التصعيد المضبوط من وقت إلى آخر، لا يبدو أن المنطقة اقتربت من تسوية نهائية، بل من مرحلة جديدة لإدارة الصراع، ستتحدد ملامحها تبعا للتطورات السياسية والعسكرية في المرحلة المقبلة.