July 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

مدير تحرير جريدة الجمهورية طارق ترشيشي: الدول العربية جزء من حسابات الضغط بين واشنطن وطهران

مع كل تصعيد أميركي جديد ضد إيران تعود الساحات العربية لتكون في قلب المشهد، بعدما باتت في أكثر من محطة ساحة للردود الإيرانية، تحت ذريعة "استهداف القواعد الأميركية" المنتشرة فيها، وبينما تؤكد طهران أن ضرباتها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول بحد ذاتها، تجد هذه الدول نفسها في قلب مواجهة لا ناقة لها بها ولا جمل.

هذا الواقع يطرح تساؤلات حول أسباب اختيار إيران لهذه الساحات تحديدا، وما إذا كانت هذه الضربات تأتي ضمن استراتيجية ردع ورسائل ضغط في مواجهة واشنطن، أم أنها تحمل أهدافا إقليمية أوسع. فإلى أين تريد طهران الوصول من خلال توسيع دائرة الردود؟ وهل تتحول الدول العربية إلى ساحات لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة؟

في هذا الإطار، اعتبر مدير تحرير جريدة الجمهورية الكاتب والمحلل السياسي طارق ترشيشي أن مذكرة التفاهم التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران دخلت مرحلة التجميد، مشيرا إلى أن التصعيد الأميركي الأخير يؤكد، بحسب قراءته، أن واشنطن لم تخرج من سياسة المناورة والضغط تجاه طهران، بدليل انتقالها إلى التصعيد في أكثر من محطة كانت فيها المفاوضات قائمة بين الطرفين.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذا المسار تكرر سابقا، إذ حصل التصعيد في مراحل كانت فيها جولات تفاوض قائمة، لافتا إلى أن الحرب التي استمرت 12 يوما، ثم الحرب التي استمرت 40 يوما، جاءت في وقت كان الإيرانيون يتوجهون فيه إلى جولات تفاوض في سلطنة عمان. وقال إن المشهد الحالي يعيد طرح الإشكالية نفسها، حيث استمر مسار التفاوض قبل أن يتجدد التصعيد.


وفي ما يتعلق بالضربات الإيرانية الأخيرة على عدد من الدول العربية، كشف ترشيشي أن المسألة، وفق الرواية الإيرانية، لا ترتبط باستهداف هذه الدول بحد ذاتها، بل بالقواعد الأميركية الموجودة فيها، إذ تقول طهران إنها تستهدف مواقع عسكرية أميركية تنطلق منها هجمات ضدها، معتبرا أن هذا الواقع يجعل بعض الدول العربية تعتبر أن ما يحصل يشكل اعتداء على أمنها وسيادتها، فيما تؤكد إيران أن أهدافها محصورة بالقواعد الأميركية.


ورجح ألا يكون لدى إيران أهداف أخرى واضحة للرد على الولايات المتحدة، خصوصا بعد إبعاد حاملات الطائرات والمدمرات والقطع البحرية الأميركية عن مدى الصواريخ والمسيرات الإيرانية، مشيرا إلى أن هذا الواقع قد يجعل هذه الدول العربية جزءا من حسابات الضغط المتبادل بين واشنطن وطهران.


ورأى ترشيشي أن استمرار هذا المسار ينذر باحتمال نشوب مواجهة جديدة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران، لافتا إلى أن ما تقوم به طهران، بحسب موقفها المعلن، يأتي في إطار الدفاع عن النفس، وأنها تعتبر أنها تعرضت لحرب غير قانونية وفق المفهوم الدولي. وأوضح أن القراءة الإيرانية للمواجهة تعتبر أن القضية لا تقتصر على الملف النووي، بل ترتبط بصراع أوسع حول موقع إيران ودورها السياسي في المنطقة.


وأشار إلى أن طهران تعتبر أن موضوع السلاح النووي تحول إلى ذريعة لتبرير التصعيد ضدها، في وقت تؤكد فيه أنها لم تكن تنوي تصنيع سلاح نووي، وأن منشآتها النووية تعرضت للقصف الأميركي، مشددا على أن القراءة الإيرانية تعتبر أن الهدف الأميركي والإسرائيلي يتجاوز هذا الملف إلى محاولة تغيير النظام السياسي في إيران وإضعاف دورها الإقليمي، خصوصا في ظل الصراع القائم حول مشاريع المنطقة ومستقبلها.


ولفت ترشيشي إلى أن استهداف القواعد الأميركية قد يحمل، بحسب تقديره، رسائل غير مباشرة إلى قادة هذه الدول، بهدف دفعها إلى ممارسة ضغوط على الإدارة الأميركية لوقف التصعيد، محذرا من أن استمرار المواجهة قد يؤدي إلى انعكاسات واسعة على أمن المنطقة واستقرارها.


وعن احتمال فتح قواعد اشتباك جديدة بين الطرفين، اعتبر أن الضربات المتبادلة قد تكون في إطار محاولة كل طرف ممارسة ضغط على الآخر بالتزامن مع المسار التفاوضي، مشيرا إلى أن تعقّد المفاوضات حول ملفات معينة يدفع أحيانا إلى استخدام التصعيد العسكري كوسيلة ضغط. لكنه أوضح أن المواجهة، حتى الآن، لا تزال ضمن حدود محدودة ولم تتوسع إلى حرب شاملة.


وشرح ترشيشي أن إيران تعلن استعدادها لمواجهة أي حرب جديدة قد تشن عليها، وأنها اتخذت، بحسب ما تعلنه، استعداداتها لذلك، موضحا، في الوقت نفسه، أن طهران لا تعلن رغبتها في الذهاب إلى مواجهة إقليمية واسعة، إلا في حال توسع التصعيد الأميركي وانتقاله إلى ما هو أبعد من الضربات المحدودة والمركزة التي تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت اقتصادية.


أما في ما يتعلق بالدور العربي، فرأى أن الدول العربية قادرة على لعب دور باتجاه الطرفين الإيراني والأميركي بهدف وقف الحرب، باعتبار أن تداعياتها ستطال المنطقة بأكملها، مشيرا إلى أن السعودية وقطر تقومان، بحسب تقديره، باتصالات مع الطرفين في هذا الاتجاه.


وخلص ترشيشي إلى أن مصلحة الدول العربية، بحسب رؤيته، تكمن في النأي بنفسها عن هذا النزاع، والعمل لدى الإدارة الأميركية من أجل وقف الحرب، لأن استمرارها من شأنه أن يهدد أمن المنطقة واستقرارها على مختلف المستويات.


في نهاية المطاف، بات واضحا أن الساحات العربية لا تزال تشكل إحدى ساحات المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرار طهران في ربط ردودها العسكرية بوجود القواعد الأميركية في عدد من الدول العربية. وبين استمرار سياسة التصعيد والضغط من جهة وتعثر المفاوضات والدبلوماسية من جهة أخرى، تبقى المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات عدة، تتوقف ملامحها على قدرة الأطراف المعنية على احتواء المواجهة ومنع توسعها.