July 09, 2026   Beirut  °C
سياسة

رولان خاطر: حماس تستنسخ نموذج حزب الله في غزة.. تترك الحكم وتحتفظ بالسلاح

بشكل مفاجئ، وبعد مخاض طويل من الدم والدمار عاشه قطاع غزة، وبعد نحو 20 عاما من إدارتها الكاملة لشؤونه، أعلنت حركة حماس تخليها عن حكم القطاع، عبر حل لجنة الطوارئ الحكومية ونقل صلاحيات الإدارة إلى اللجنة الوطنية لإدارة شؤون غزة. وأوضح المكتب الإعلامي للحركة أن القرار جاء تنفيذا لمخرجات اجتماع الفصائل الفلسطينية في القاهرة، مؤكدا استكمال الاستعدادات لتسليم إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية.

ويبقى السؤال الأبرز: هل اتخذت حماس هذا القرار بصورة مستقلة انطلاقا من حسابات قيادتيها السياسية والعسكرية، أم أنه جاء في إطار تفاهمات إقليمية أوسع كان لطهران دور في صياغتها؟

وعن أبعاد هذا القرار، قال الصحافي في جريدة النهار رولان خاطر إن إعلان حركة حماس تخليها عن حكم قطاع غزة يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالترتيبات السياسية والإقليمية التي بدأت تتبلور مع اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلوا إليها في تشرين الأول الماضي، والذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول ترتيبات "اليوم التالي" في غزة والجهة التي ستتولى إدارة القطاع، معتبرا أن هذا القرار لا يمكن النظر إليه بوصفه قرارا حزبيا مستقلا اتخذته الحركة، بل يندرج ضمن سياق إقليمي أوسع يرتبط بإيران، بوصفها الداعم الرئيسي لحماس، ويتناغم مع مسار التفاهمات الجارية، لا سيما المحادثات الأميركية - الإيرانية.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن طهران تحاول الظهور أمام الولايات المتحدة بمظهر الطرف الذي يسهل الوصول إلى تفاهمات إقليمية، إلا أنه يرى أن السياسة الإيرانية لا تخلو من المراوغة، إذ تسعى إلى تقديم تنازلات في ملفات تعتبرها أقل أهمية مقابل الحفاظ على أوراق أكثر تأثيرا في المنطقة، لافتا إلى أن إيران باتت تعتبر أن الورقة الفلسطينية، وتحديدا في غزة، أصبحت أقل قيمة من ذي قبل، ولذلك قد تكون مستعدة للتخلي عنها مقابل الاحتفاظ بأوراق أكثر استراتيجية، وفي مقدمتها ورقة حزب الله في لبنان.


وفي قراءته لقرار حماس، اعتبر خاطر أن الحركة تحاول استنساخ النموذج القائم في لبنان، أي نموذج حزب الله، من خلال التخلي عن إدارة الشأن المدني والإبقاء على القوة العسكرية، موضحا أن الجهة الفلسطينية التي ستتولى إدارة القطاع ستكون الواجهة الرسمية أمام المجتمع الدولي، والمسؤولة عن المفاوضات وإعادة الإعمار والتمويل والملفات الاقتصادية، فيما تبقى حماس محتفظة بسلاحها وقدراتها العسكرية.


وأكد أن الثغرة الأساسية في هذا المشهد تكمن في مصير سلاح حماس، إذ إن الحركة أعلنت تخليها عن الحكم، لكنها لم تعلن تخليها عن سلاحها، ولا تزال تعتبر نفسها جزءا من حركات المقاومة. وقال: هذا الواقع يعني عمليا أن السلطة المدنية ستكون منفصلة عن القوة العسكرية، على غرار ما هو قائم في لبنان، حيث تبقى القوة المسلحة صاحبة التأثير الفعلي على الأرض، بما يمنحها القدرة على اتخاذ القرار والتأثير في مجريات الأحداث.


أضاف خاطر إن هذا السيناريو يمنح أيضا محور المقاومة، الذي تقوده إيران، فرصة لتأكيد روايته بأن حماس لم تهزم عسكريا أمام إسرائيل، وأن الجيش الإسرائيلي لم ينجح في القضاء عليها كما كان يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون، بل تحولت الحركة إلى قوة سياسية وعسكرية تحتفظ بسلاحها، في نموذج يشبه إلى حد بعيد وضعية حزب الله في لبنان، معتبرا أن ذلك يعزز سردية الصمود التي يروج لها محور المقاومة.


وفي المقابل، رأى أن هذا القرار ستكون له انعكاسات مباشرة على حزب الله، لا سيما في ما يتعلق باستراتيجية "وحدة الساحات"، لافتا إلى أن هذه الاستراتيجية ستتعرض لمزيد من التآكل، إذ سيتراجع المبرر السياسي والعسكري للحديث عن ربط الجبهات أو فتح جبهات إسناد كما كان يحصل في السابق.


وأشار خاطر أيضا إلى أن إعلان حماس التخلي عن حكم غزة سيزيد من حجم الضغوط الدولية والداخلية على حزب الله من أجل تفكيك بنيته العسكرية وإنهاء ملف سلاحه، مذكرا أن الدولة اللبنانية سبق أن اتخذت قرارا يقضي بحصر السلاح بيد الدولة والعمل على نزع سلاح التنظيمات الفلسطينية داخل المخيمات وخارجها. واعتبر أن إعلان حماس يوفر للدولة اللبنانية مبررا إضافيا لاتخاذ خطوات أكثر جدية في هذا الاتجاه.


وأوضح أنه، على الرغم من عدم إعلان الحركة التخلي عن سلاحها، فإن تخليها عن إدارة غزة قد يشكل مدخلا أمام الدولة اللبنانية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه السلاح الفلسطيني، والعمل على تجريد المخيمات الفلسطينية من السلاح، كما يمنح القوى السيادية والمعارضة اللبنانية ورقة إضافية للضغط باتجاه حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، مشيرا إلى أن قرار حماس يحمل رسائل سياسية تتجاوز الساحة الفلسطينية، إذ إنه، من جهة، يقدم لحزب الله نموذجا يقوم على الاحتفاظ بالقوة العسكرية من دون تحمل مسؤولية الحكم المدني، لكنه، من جهة أخرى، يسقط كثيرا من المبررات السياسية التي استخدمت لتبرير استمرار السلاح تحت عنوان ربط الجبهات ووحدة الساحات. وقال خاطر: هذا التطور يمنح الدولة اللبنانية والقوى السياسية الداعية إلى حصرية السلاح، إلى جانب المجتمع الدولي، مساحة أوسع لممارسة الضغوط على حزب الله وإيران، بحيث يصبح ملف سلاح الحزب جزءا أساسيا من أي مفاوضات إقليمية مقبلة، وصولا إلى تسوية تنتهي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.


وتبقى الأسئلة مطروحة حول مدى ارتباط قرار حماس بالتفاهم الأميركي - الإيراني، وما إذا كان سيشكل بداية لتحولات أوسع تمتد إلى ساحات أخرى، وفي مقدمها لبنان، في ظل تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية لإعادة رسم موازين القوى وحصر السلاح بيد الدولة.