في ظل التحولات التي تشهدها إيران داخليًا وإقليميًا، جاء خطاب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ليعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها طهران، بعدما شدد على أن الثورة والجمهورية الإسلامية "باقيتان"، معتبرًا أن الدعم الشعبي يشكل عاملًا أساسيًا في مواجهة الضغوط. وفي الوقت نفسه، ركّز على تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية في الداخل، بالتوازي مع الإبقاء على خطاب تصعيدي تجاه الخصوم، مؤكدًا أن "تحرير القدس" يمثل، بحسب تعبيره، الخطوة النهائية في مسار المواجهة.
ويفتح هذا الخطاب الباب أمام قراءة أوسع لاتجاه إيران في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت تعيد ترتيب أولوياتها بين تعزيز استقرار الداخل والحفاظ على نفوذها الإقليمي، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على لبنان والمنطقة.
وفي هذا السياق، قال الإعلامي طوني نصار إن إيران انتقلت من مرحلة المواقف والتصريحات الصارمة والعلنية، التي كانت توجه خلالها تهديدات إلى دول الجوار، ولا سيما دول الخليج العربي، إضافة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، وحتى العالم، مثل التلويح بإغلاق مضيق هرمز، إلى مرحلة وصفها بأنها انتقلت فيها من الخطاب التصعيدي إلى ما سماه "الهلوسات الإعلامية".
وشدد، عبر منصة "بالعربي"، على أنه "بدل أن يكون لدينا صحاف عراقي، لدينا قاليباف إيراني"، معتبرًا أن الخطاب الإيراني بدأ يتدرج نحو خفض سقف التصعيد تدريجيًا، بهدف تمكين الداخل الإيراني من استيعاب هذا الخطاب. وأشار إلى أن النظام لا يزال يحاول حشد الداخل والتأكيد أن الثورة الإيرانية مستمرة، رغم اعتقاده بأنها وصلت إلى مراحلها الأخيرة، بل إلى ما يشبه "الموت السريري"، خصوصًا في ظل الغموض المحيط بمصير مجتبى خامنئي.
وبين نصار أن هناك روايات متضاربة حول مصير مجتبى خامنئي، إذ يقول البعض إنه قُتل مع والدته خلال عملية اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، فيما تشير روايات أخرى إلى أن الحرس الثوري نقله من المستشفى واختفى، وسط حديث عن تعرضه لإصابات وتشوهات. وأضاف أن مصيره لا يزال غير معروف، وأن غيابه عن المشهد، ولا سيما خلال مراسم تشييع والده، زاد من علامات الاستفهام حول وضعه.
وأشار إلى أنه لا يرى وجود مكتسبات حقيقية لإيران، متسائلًا: "أين هي هذه المكتسبات؟ هل بقاء هذا النظام يُعدّ مكتسبًا؟". وأضاف أن النظام بقي بعد حصوله على جزء من الأموال التي كانت مجمدة في الولايات المتحدة وأُفرج عنها، معتبرًا أن ذلك لا يشكل إنجازًا استراتيجيًا.
وقال نصار إن حماية ما تبقى من النظام، بل حماية المرشد، باتت موضع تساؤلات، مضيفًا: "أين هو المرشد؟ لا أحد يعرف". وتساءل عن الجهة التي تتولى حاليًا إدارة النظام، وما إذا كان الحرس الثوري هو من يمسك بالقرار، أو ما إذا عُيّن مرشد بصورة سرية، في ظل الغموض المحيط بمصير مجتبى خامنئي.
ولفت إلى أن الاستراتيجية الإيرانية لم تعد قائمة على التهديدات المباشرة، بل تحولت، بحسب رأيه، إلى ما وصفه بـ"الزكزكة" تجاه دول الخليج العربي عبر إطلاق بعض الصواريخ، رغم أن تأثيرها يبقى محدودًا، في ظل امتلاك الدول الخليجية منظومات دفاعية متطورة قادرة على التصدي للكثير من الهجمات.
وأضاف نصار أن هذا الواقع جعل التأثير الإيراني يتراجع على المستوى الاستراتيجي، معتبرًا أن دور طهران أصبح يتركز أكثر على الداخل الإيراني، بعد أن فقدت القدرة على التأثير الإقليمي الواسع الذي كانت تتمتع به سابقًا.
أما بالنسبة إلى مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، فرأى نصار أن لبنان خرج فعليًا من "الأسر الإيراني"، بحسب تعبيره، بعد ما حصل عقب حرب غزة، والحرب التي شنّها حزب الله على إسرائيل، ومقتل قيادات الحزب تباعًا، بدءًا من حسن نصرالله، مرورًا بسلسلة الاغتيالات والتصفيات، إضافة إلى حادثة أجهزة "البيجر".
وأضاف أن لبنان بدأ يخرج من الزاوية الإيرانية ومن "الشرك الإيراني" الذي وقع فيه حزب الله على مدى سنوات.
وأشار إلى أن إيران بدأت تحاول تقديم خطاب جديد، مفاده أنها تقف إلى جانب الشعب اللبناني ككل، لافتًا إلى أنه للمرة الأولى يُسمع خطاب من هذا النوع من مسؤول إيراني. ونقل، وفق المعلومات التي وردت إليه، أن وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى، خلال زيارته إلى طهران للمشاركة في مراسم تشييع خامنئي، تلقّى رسالة من وزير الدفاع الإيراني بالوكالة مفادها: "نحن نعرف أن هناك ناسًا ضدنا في لبنان، ونعرف أن هناك خصومًا، ولكننا مستعدون لمد يد العون والمساعدة للبنان".
وأوضح نصار أن إيران، رغم حاجتها هي نفسها إلى من يساعدها، فإن هذا الموقف يبقى لافتًا لأنه أُبلغ إلى الدولة اللبنانية ممثلة بوزير الدفاع ميشال منسى، معتبرًا أن طهران بدأت، إلى حدّ ما، بالتعامل مع الدولة اللبنانية، رغم أنها لا تستطيع القول إنها خرجت من حزب الله أو أنها تخلّت عنه.
وأضاف أن حزب الله سيبقى ورقة للتفاوض، وتحديدًا أن سلاحه قد يكون ورقة تفاوضية، وربما يكون أيضًا "هدية" للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، من أجل أن يثبت النظام الإيراني أقدامه أكثر فأكثر ضمن شروط ترامب.
واعتبر أن النظام الإيراني لم يعد قادرًا على أن يكون كما كان في السابق، وأن المرحلة المقبلة لن تكون وفق الشروط الإيرانية وحدها، بل ضمن شروط الإدارة الأميركية، بما في ذلك الملفات الإقليمية، ومن بينها ملف مضيق هرمز.
أما بالنسبة إلى طبيعة المقاربة الدولية تجاه إيران، فرأى نصار أن المجتمع الدولي، ولا سيما الأوروبي، سيسعى إلى التعامل مع المرحلة الجديدة التي تمر بها طهران، في محاولة لاستيعاب تداعيات التحولات القائمة وتجنب مزيد من التصعيد، مشيرًا إلى أن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة قد تشكل محطة مهمة لرصد اتجاهات المرحلة المقبلة وانعكاساتها على المشهد الإقليمي.
وقال إن هذا "الخروج الإيراني إلى العالم" يأتي بعد أن فقدت طهران، بحسب رأيه، جزءًا كبيرًا من سيطرتها على المنطقة، معتبرًا أن حتى الحوثيين، الذين يُعدّون من أذرع إيران، لم يعد تحركهم بمعزل عن المتغيرات، رغم استمرار خطاب التهديد والوعيد.
وأضاف أن العراق بدأ يظهر تدريجيًا من تحت الجناح الإيراني، مشيرًا إلى أن تشييع خامنئي الذي سيُقام في العراق، وإن كان بحضور رسمي، سيحمل طابعًا شعبيًا أكبر. واعتبر أن العراق بدأ يبرز تدريجيًا، لكنه لا يستطيع الخروج دفعة واحدة من "الشرنقة الإيرانية" بسبب عمق العلاقات والتداخلات التي تراكمت على مدى سنوات.
وأوضح نصار أن لبنان أيضًا خرج من هذا المسار بعد حرب ضروس، وبعد الاتفاق الإطاري الذي حصل بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، مشيرًا إلى أن رئيس الجمهورية جوزاف عون أكد استمرار هذا المسار، وأن دول الخليج العربي بدأت بدورها بالخروج من فكرة أن إيران هي "بعبع المنطقة". واعتبر أن إيران لم تعد القوة التي كانت تُصوَّر سابقًا، بل أصبحت، بحسب تعبيره، "فزاعة صغيرة" يستخدمها الحرس الثوري الإيراني عبر التهديدات والوعيد، من دون أن يرافق ذلك تأثير فعلي على الأرض.
وأشار نصار إلى أن الاستعراضات الصاروخية تجاه إسرائيل، إضافة إلى ما وصفه بـ"الزكزكات" تجاه بعض الدول العربية، لم تحقق نتائج استراتيجية، معتبرًا أنها لم تغيّر المعادلات القائمة.
ولفت إلى أن الملف النفطي يشكل مثالًا على ذلك، إذ كانت إيران تراهن، بحسب رأيه، على رفع أسعار النفط وتحقيق مكاسب أكبر، إلا أن تحركات مجموعة "أوبك+" وضخ كميات إضافية من النفط في الأسواق ساهما في تراجع الأسعار، ما أفشل، وفق تقديره، الرهان الإيراني على استخدام التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
وقال نصار إن الصين، رغم كونها دولة عظمى ولديها مصالح مع إيران، لن تفضل، بحسب رأيه، نظامًا إيرانيًا مترهلًا على حساب علاقتها مع الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن بكين ستسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع القوى الفاعلة على الأرض، خصوصًا في ظل استمرار التوتر مع واشنطن.
وأضاف أن المجتمع الأوروبي يأتي بعد الإدارة الأميركية من حيث التأثير، معتبرًا أن الولايات المتحدة هي الطرف الأكثر حضورًا في المنطقة حاليًا، فيما تبدو روسيا منشغلة بأوضاعها الخاصة وحرب أوكرانيا، ولا تسعى إلى الدخول بقوة على خط الملف الإيراني.
أما بالنسبة إلى لبنان، فأوضح نصار أن البلاد لا تقف أمام مرحلة تسويات بقدر ما هي أمام مرحلة إعادة بناء الدولة، مشيرًا إلى أن هذه المرحلة تحتاج إلى وقت، لأن النفوذ الإيراني في المنطقة استمر أكثر من أربعين عامًا، سواء بشكل مباشر أو عبر الحلفاء، ولا يمكن تغييره بين ليلة وضحاها.
وأشار إلى أن لبنان بدأ مسارًا جديدًا، لكن الانتقال الكامل يحتاج إلى مراحل طويلة، معتبرًا أن إعادة تكوين الدولة وتعزيز مؤسساتها يتطلبان وقتًا وجهدًا، وليس مجرد قرار سياسي سريع.
ولفت نصار إلى أن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة ستكون محطة مهمة لمراقبة البيانات والمواقف التي ستصدر عنها، وقراءة مدى تأثيرها على الوضع الإيراني ككل، وعلى اتجاهات المرحلة المقبلة في المنطقة.
في المحصلة، تدخل إيران مرحلة إعادة ترتيب حساباتها بين محاولة تعزيز تماسك الداخل وإدارة نفوذها الإقليمي ضمن واقع جديد تفرضه التحولات والضغوط المتزايدة. ويبقى مسار المرحلة المقبلة مرتبطًا بقدرة طهران على التكيف مع موازين القوى الجديدة، وانعكاس ذلك على توازنات المنطقة، ولا سيما لبنان.