تطرح زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق جملة من الدلالات السياسية والاقتصادية، في ظل مرافقة وفد من رجال الأعمال والمستثمرين، في مؤشر يعكس تداخل البعد السياسي بالاقتصادي في طبيعة هذه الزيارة. كما تكتسب الزيارة رمزية إضافية كونها تأتي بعد أن كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد اختار فرنسا كأول محطة أوروبية له، في زيارة جاءت بدعوة من الرئيس ماكرون، ما عكس حينها بداية مسار من الانفتاح المتبادل بين الجانبين.
وتأتي هذه الزيارة في سياق انقطاع طويل بين دمشق وعدد من العواصم الأوروبية، حيث لم تشهد سوريا زيارات مماثلة لرؤساء دول أوروبية منذ نحو 17 عاما، ما يضعها في إطار تحول لافت في مستوى التعاطي الأوروبي مع الملف السوري بعد سنوات من القطيعة والتباعد، فهل تمهد هذه الخطوة بداية لإعادة رسم طبيعة العلاقة بين باريس ودمشق؟ وهل تشكل نقطة بداية لانفتاح أوروبي أكبر؟
في هذا السياق، أكد الباحث والمحلل السياسي السوري ياسر نجار أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق تشكل محطة سياسية مهمة، باعتبارها زيارة يقوم بها زعيم أوروبي يمثل إحدى أبرز دول الاتحاد الأوروبي، ويحرص على بناء علاقات إيجابية مع الدولة السورية، مشيرا إلى أن فرنسا تعد دولة محورية على مستوى الأمم المتحدة، إذ تمتلك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، كما تتمتع بثقل سياسي داخل الاتحاد الأوروبي، فضلا عن امتلاكها طموحات تاريخية في سوريا تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، إلى جانب شبكة علاقات على المستوى المجتمعي، وقراءتها الدقيقة للمجتمع السوري، وعلاقاتها مع بعض مكونات المجتمع السوري، ما يجعلها حريصة على الحفاظ على دورها ونفوذها في الملف السوري.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن فرنسا كانت من أبرز الدول المشاركة في قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش إلى جانب الولايات المتحدة، وأسهمت في بناء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في منطقة الجزيرة السورية، ما يعكس استمرار اهتمامها بالملف السوري، معتبرا أنها قادرة على الدفع باتجاه تسريع اندماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما يتماشى مع أولويات المرحلة الحالية.
ورأى نجار أن الدولة السورية الجديدة تسعى بدورها إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف الدول، لا سيما فرنسا، بهدف تجاوز مرحلة التوتر التي طبعت العلاقات في عهد النظام السابق، والانفتاح على شراكات جديدة تخدم مصالحها السياسية والاقتصادية، معتبرا أن الرئيس أحمد الشرع يعمل على طي صفحة الخلافات السابقة وبناء علاقات إيجابية مع مختلف الأطراف، وفي مقدمتها فرنسا.
وقال إن زيارة ماكرون إلى دمشق لا يمكن اختزالها في كونها لقاء سياسيا أو تنسيقا دبلوماسيا، موضحا أنه لو كان الأمر كذلك لكان من الممكن عقده على هامش اجتماع مجموعة الناتو في تركيا، حيث سيكون الرئيس السوري أحمد الشرع ضيفا، إلا أن إصرار الرئيس الفرنسي على زيارة دمشق يحمل دلالات أوسع تتجاوز الإطار السياسي التقليدي.
ولفت نجار إلى أن الوفد المرافق للرئيس الفرنسي يضم عددا من رجال الأعمال والشركات المهتمة بقطاعات النفط والطاقة، والطرق والنقل والسكك الحديدية، إضافة إلى المطارات والموانئ، معتبرا أن ذلك يعكس توجها فرنسيا واضحا نحو الاستثمار داخل سوريا.
ورأى أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها أهمية استراتيجية باعتبارها دولة عبور بين الشرق والغرب عبر البحر الأبيض المتوسط، سواء في نقل البضائع أو الطاقة، لا سيما الوقود الأحفوري والغاز، ما يجعل تطوير البنى التحتية من طرق ومطارات وموانئ وشبكات طيران وكابلات إنترنت جزءا أساسيا من اهتمام الشركات الأوروبية والفرنسية.
وتابع نجار أن باريس تسعى أيضا إلى أن يكون لها دور في مشاريع إعادة الإعمار داخل سوريا، عبر شراكات اقتصادية مع الدولة السورية، بما يتيح لها المساهمة في البنية التحتية والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلاد، مفيدا بأن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى فرنسا، والتي كانت الأولى له إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي، جاءت بدعوة من الرئيس ماكرون، ما يعكس أن مسار العلاقات بين البلدين يتجه تدريجيا نحو مزيد من التطور الإيجابي. ولفت إلى أن فرنسا تولي اهتماما خاصا بقطاع الطاقة والاستثمارات النفطية، ما يجعلها معنية باستقرار الأوضاع الأمنية داخل سوريا.
ورأى أن الشراكة السورية - الفرنسية يمكن أن تحمل رسائل سياسية غير مباشرة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تدعو إلى وقف الاعتداءات على الأراضي السورية، التي اعتبر أنها كانت سياسة ممنهجة تهدف إلى استفزاز الدولة السورية وجرها إلى مواجهة عسكرية لا مصلحة لها فيها، مشيرا إلى أن وجود شركات فرنسية داخل سوريا سيجعل من مصلحة باريس الحفاظ على الاستقرار، بما يخدم المصالح المشتركة، وقد يساهم في دفع مسار ترتيبات أمنية يمكن أن تمتد إلى اتفاق فض الاشتباك الموقع في العام 1974.
وأشار نجار إلى أن فرنسا يمكن أن تقود مسارا أوروبيا أكثر انفتاحا تجاه سوريا إذا ما نجحت في بناء شراكة استراتيجية مع دمشق، ما قد ينعكس على بقية الدول الأوروبية ويفتح الباب أمام مشاركتها في مشاريع إعادة الإعمار وتعزيز التعاون الاقتصادي، مؤكدا أن فرنسا لم تعد في مرحلة استكشاف الفرص في سوريا، بل انتقلت إلى مرحلة التنفيذ. وتوقع دخول شركات أوروبية أخرى في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، مستفيدة من الموقع الجغرافي لسوريا الذي يجعلها نقطة عبور أساسية بين الشرق والغرب، ويعزز فرص تطوير شبكات النقل والطاقة والاتصالات بما يخدم المصالح المشتركة.
وبذلك، تدرج زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في إطار مسار أوسع يسعى من خلاله الرئيس السوري أحمد الشرع إلى إعادة تموضع سوريا على الخريطة الإقليمية والدولية، عبر تطوير وضبط علاقاتها مع مختلف الدول العربية والأوروبية. ومن هذا المنطلق، تبدو هذه الزيارة امتدادا لهذا المسار، بما يعكس مؤشرات على تحركات دبلوماسية متقدمة، وبما يرجح أن تثمر نتائج مهمة لسوريا على المستويين السياسي والاقتصادي في المرحلة المقبلة.