July 02, 2026   Beirut  °C
سياسة

سرقات وفساد… فارس الخطاب: معظم من شملتهم التحقيقات يدورون في فلك إيران

أعادت الحملات الأمنية والقضائية الأخيرة في العراق، التي أسفرت عن توقيف عشرات المسؤولين والنواب وكبار الموظفين في قضايا فساد، وضبط مبالغ مالية ضخمة وكميات من الذهب وعقارات وممتلكات أخرى، ملف مكافحة الفساد إلى واجهة المشهد السياسي، بعد سنوات طويلة من المطالبات بمحاسبة المتورطين في هدر المال العام.

وعلى الرغم من الترحيب الشعبي بهذه الإجراءات، يرى كثيرون أنها جاءت متأخرة، إذ كان يفترض أن تنطلق قبل سنوات، في ظل ما يعانيه العراق من فساد مستشر، انعكس على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وأبقى شريحة واسعة من العراقيين تحت خط الفقر، على الرغم من ما يزخر به البلد من ثروات وموارد طبيعية هائلة.

وفي تعليقه على الإجراءات الأمنية والقضائية الأخيرة في العراق، قال الباحث السياسي العراقي فارس الخطاب إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية، بمشاركة الأجهزة العسكرية والقضائية، في إطار حملة مكافحة الفساد، جاءت متأخرة كثيرا، لكنها تبقى خطوة إيجابية إذا ما قورنت بعدم اتخاذ أي إجراءات طوال السنوات الماضية، موضحا أن العراق أمضى، بحسب رأيه، ما يقارب ربع قرن وهو يشهد تراجعا في أوضاع حقوق المواطنين، سواء في ما يتعلق بإدارة الثروات الوطنية، أو الإيرادات العامة، أو مستوى الخدمات الأساسية، أو فرص التنمية التي كان من الممكن أن يتمتع بها الشعب العراقي قياسا بما يمتلكه البلد من إمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن السؤال الأهم لا يتعلق بتأخر الإجراءات، وإنما بأسباب إطلاقها في هذا التوقيت، معتبرا أن هناك جملة من العوامل السياسية والداخلية والخارجية دفعت الحكومة إلى اتخاذ هذه الخطوة الآن.


ورأى الخطاب أن العامل الأول يتمثل في تراجع شعبية العملية السياسية، التي وصفها بأنها دخلت مرحلة فقدان البوصلة، نتيجة اتساع الفجوة بينها وبين الشارع العراقي، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر وتراجع مستوى الخدمات العامة، وهو ما فرض، بحسب تقديره، البحث عن إجراءات تعيد قدرا من الثقة بين الدولة والمواطن، مشيرا إلى أن العامل الثاني يرتبط، من وجهة نظره، بوجود ضغوط دولية، لا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية، على القيادات السياسية العراقية لإعادة التوازن في السياسة الخارجية للعراق، وتقليل مستوى الولاء لإيران. ولفت إلى أن العراقيين، بحسب رأيه، لا يرغبون في العودة إلى ظروف العقوبات أو العزلة الدولية التي عاشها العراق في مراحل سابقة.


وأكد أن العراق يقف أمام مرحلة وصفها بالحساسة، وأن استمرار العملية السياسية بات مرتبطا بقدرتها على تنفيذ إصلاحات حقيقية، معتبرا أن بعض القوى السياسية، من بينها "قوى الإطار" التي يتبع لها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، أصبحت مقتنعة بأن التغيير التدريجي والمنظم أقل كلفة من التغيير المفاجئ الذي قد تفرضه احتجاجات شعبية أو متغيرات خارجية.


وفي ما يتعلق بملفات الفساد، قال إن الأموال والممتلكات التي أعلنت السلطات العراقية ضبطها تمثل، بحسب تقديره، جزءا بسيطا من حجم الأموال التي خرجت من العراق أو لم يُكشف عنها حتى الآن، معتبرا أن التحقيقات القائمة قد تقود إلى الكشف عن ملفات وشخصيات أخرى خلال المرحلة المقبلة.


وردا على سؤال بشأن انتماءات الأشخاص الذين شملتهم الإجراءات القضائية، أوضح الخطاب أن معظمهم، بحسب رأيه، يدورون في فلك إيران مثل قوى الإطار التنسيقي أو بعض الفصائل المسلحة، لافتا إلى أن بعض القوى السياسية الأخرى، بما فيها شخصيات من المكون السني، تتعامل بحذر مع النفوذ الإيراني داخل العراق، انطلاقا من اعتقادها بأن لطهران تأثيرا واسعا في المشهدين السياسي والأمني.


ورأى أن إيران كانت، منذ العام 2003، صاحبة النفوذ الأكبر داخل العراق، معتبرا أن هذا النفوذ انعكس على إدارة الموارد الاقتصادية للدولة، وأن غياب الرقابة الفاعلة سمح باستمرار عمليات فساد وتهريب أموال واستنزاف للموارد، بحسب وصفه.


وقال الخطاب إن ما أعلن عن ضبطه حتى الآن لا يمثل سوى جزء محدود من حجم الأموال التي يعتقد أنها خرجت من البلاد خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن الوصول إلى بقية الملفات يتطلب استمرار التحقيقات وملاحقة شخصيات أخرى يصفها بأنها من كبار المتورطين في قضايا الفساد.


وتطرق إلى التطورات الأمنية الأخيرة، مشيرا إلى ما تردد بشأن محاولة استهداف القصر الرئاسي في بغداد بواسطة طائرة مسيرة. واعتبر أن هذه التطورات تعكس حجم التوتر الذي يرافق حملة مكافحة الفساد، متحدثا عن تصريحات منسوبة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أكد فيها عزمه الاستمرار في هذه الحملة مهما كانت التحديات.


ورأى الخطاب أن هناك، بحسب تقديره، تنافسا غير معلن بين الولايات المتحدة وإيران حول مستقبل العراق. وقال إن الحكومة العراقية تسعى إلى الاستفادة من الدعم الأمريكي في ملف مكافحة الفساد، لا سيما مع الحديث عن زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن.


وأوضح أن رئيس الوزراء العراقي يدرك، بحسب رأيه، طبيعة التوازنات داخل الإطار التنسيقي، وأن أي إصلاحات واسعة لا يمكن أن تتحقق من دون مراعاة هذه التوازنات أو الحصول على دعم سياسي داخلي وخارجي يسمح بالمضي في تنفيذها.


وفي ما يتعلق بملف السلاح خارج إطار الدولة، قال الخطاب إن هناك معلومات متداولة عن تعهدات قدمتها بعض الفصائل المسلحة بتسليم أسلحتها بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، مشيرا إلى أن هذه المعلومات لم تؤكد بشكل رسمي حتى الآن. ورأى أنه في حال عدم تنفيذ تلك التعهدات، فإن الحكومة قد تتجه، بحسب تقديره، إلى تنفيذ عمليات أمنية أوسع تستهدف إنهاء ملف السلاح خارج إطار الدولة، معتبرا أن هذا السيناريو قد يحظى بدعم أمريكي إذا ما اتُفق عليه بين بغداد وواشنطن.


وعن أوجه الشبه بين العراق ولبنان، قال الخطاب إن البلدين يواجهان تحديات متقاربة تتمثل في الفساد، وتهريب الأموال، وانتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة، إضافة إلى النفوذ الإيراني، إلا أنه يرى أن هناك اختلافا في طبيعة التوازنات السياسية بين البلدين.


واعتبر أن لبنان يشهد، بحسب رأيه، تنافسا بين مشروع يدعو إلى ترسيخ الدولة الوطنية ومشروع آخر يرتبط بإيران، بينما رأى أن المشهد السياسي العراقي أكثر تأثرا بالنفوذ الإيراني، وهو ما ينعكس، وفقا لتقديره، على القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية.


وأكد الخطاب أن مستقبل العراق سيتحدد بمدى قدرة الدولة على فرض سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وبناء علاقات خارجية تحقق المصالح الوطنية بعيدا عن التدخلات الإيرانية، معتبرا أن نجاح هذه المسارات سيحدد شكل المرحلة المقبلة ومستقبل العملية السياسية في البلاد.


وتبقى حملة مكافحة الفساد في العراق أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على الاستمرار والوصول إلى جميع المتورطين، بعيدا عن الحسابات السياسية والانتقائية. وبينما يترقب العراقيون نتائج ملموسة تنعكس على حياتهم اليومية، يبقى الحد من التدخلات الخارجية، لا سيما النفوذ الإيراني الذي يرى مراقبون أنه أسهم في تعقيد المشهدين السياسي والأمني، أحد أبرز التحديات أمام بناء دولة المؤسسات وترسيخ سيادتها واستعادة ثقة المواطنين.