تتكرر تلميحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكان إقحام سوريا في الملف اللبناني، ولا سيما عبر الحديث عن دور محتمل للجيش السوري في لبنان في سياق يرتبط بنزع سلاح حزب الله. في المقابل، يؤكد الرئيس السوري أحمد الشرع، في أكثر من مناسبة، وآخرها في مقابلته مع قناة "المشهد"، رفضه القاطع لأي تدخل عسكري سوري في لبنان، مشددًا على أن هذا الخيار غير مطروح، وأن سوريا تسعى إلى علاقة جديدة مع لبنان تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيدًا عن تجارب الماضي.
ويطرح هذا الإصرار الأميركي تساؤلات حول اتجاهات هذا الملف في حال استمرار الضغوط التي يمارسها ترامب، وحدود الموقف السوري.
وفي موازاة ذلك، تواجه الإدارة السورية تحديات داخلية كبرى تتعلق بإعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد، وترسيخ الاستقرار الداخلي، إلى جانب ملفات حساسة مرتبطة بالوحدة الوطنية والعدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات السابقة.
تعليقًا على التطورات الأخيرة، ولا سيما دعوة الرئيس دونالد ترامب إلى تدخل سوري في لبنان، أوضح رئيس تحرير صحيفة "الأيام السورية" أحمد كامل أن الرئيس الأميركي لم يطلب دخول قوات سورية إلى لبنان، موضحًا أن بعض القراءات أوحت بذلك، إلا أن هذا الطلب لم يصدر، وأن دمشق لن ترسل جيشًا إلى لبنان حتى في حال طُلب منها ذلك.
وقال، عبر منصة "بالعربي"، إن هذا الموقف قاطع ونهائي، ويعبر عن رأي الرئيس أحمد الشرع وحكومته، وكذلك عن موقف الغالبية الساحقة من الشعب السوري، مشيرًا إلى أن السوريين لا يريدون إعادة إنتاج الصورة القديمة للعلاقة بين البلدين، ولا الخطاب الذي يصور لبنان بوصفه شقيقًا أصغر لسوريا أو يكرّس فكرة الوصاية والأخ الأكبر، داعيًا إلى الخروج من مرحلة الشعارات السابقة، قائلًا: "لبنان شقيقنا، وليس شقيقنا الأصغر كما كان يروّج النظام السابق".
وأضاف أن العلاقة التي يريدها السوريون مع لبنان تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، على غرار علاقة سوريا بتركيا أو الأردن، مؤكدًا أن المطلوب هو بناء علاقة تخدم مصالح الطرفين بعيدًا عن الشعارات والخطابات التقليدية.
وأوضح كامل أن عدم إرسال قوات سورية إلى لبنان يستند إلى ثلاثة أسباب رئيسية: أولها رفض الشعب السوري والحكومة السورية لهذه الفكرة، وثانيها عدم وجود فائض في القوات أو السلاح أو الموازنة يتيح إرسال قوات إلى خارج البلاد، وثالثها غياب أي مصلحة سورية في ذلك.
وأشار إلى أن الحكومة السورية تعمل على مساعدة الشعبين السوري واللبناني على تجاوز المرحلة السوداء من تاريخ العلاقة بين البلدين بدلًا من تجديدها، لافتًا إلى وجود جهود حثيثة لبناء صورة جديدة تقوم على علاقة بين دولتين جارتين، تشبه في مسارها التحول الذي شهدته العلاقات الفرنسية - الألمانية بعد عقود من الصراعات، وصولًا إلى التعاون ضمن السوق الأوروبية المشتركة، ثم الاتحاد الأوروبي.
وأكد أن العلاقة بين سوريا ولبنان لا تزال تواجه تحديات كبيرة، رغم وجود نيات إيجابية وعهد جديد في كل من البلدين، لافتًا إلى أن ملف المعتقلين، على سبيل المثال، استغرق نحو عام لتحقيق بعض التقدم فيه، لكنه لم يُحل بصورة كاملة، مضيفًا أن الملفات العالقة بين الطرفين كثيرة وتتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين.
واعتبر كامل أن وجود حزب الله يمثل عاملًا سلبيًا وسامًا في العلاقة بين سوريا ولبنان، قائلًا إن هذا الوجود لا يُتوقع أن يسهم في تسهيل المسار الذي تسعى إليه دمشق لبناء علاقات طبيعية ومتوازنة بين البلدين.
وفي الشأن السوري الداخلي، قال كامل إن الحكومة السورية تعاملت مع ما وصفه بأكبر المشكلات، وهي "قوات سوريا الديمقراطية"، التي قال إنها كانت تسيطر على نحو 50 ألف كيلومتر مربع من الأراضي السورية، مضيفًا أن 40 ألف كيلومتر مربع جرى تحريرها، فيما تتراجع السيطرة في المساحات المتبقية.
وبشأن السويداء، قال إن سياسة الحكومة تقوم على ترك ما وصفه بالمشروع الانفصالي يواجه واقعه، معتبرًا أنه مشروع بلا مستقبل بسبب الظروف الجغرافية والاقتصادية للمحافظة، وعدم امتلاكها مطارًا أو حدودًا أو منفذًا بحريًا أو موارد كافية، على حد تعبيره.
وأضاف أن ملفات عديدة تسير باتجاه حلول جذرية، مشيرًا إلى أن العقوبات المفروضة على سوريا انتهى معظمها، وأن ما تبقى منها محدود، ومن المتوقع أن ينتهي خلال الأسابيع المقبلة.
وفي ما يتعلق بفلول النظام السابق، قال كامل إن السلطات اعتقلت نحو 6000 شخص، بينهم ضباط برتب رفيعة ورجال أعمال وأعضاء من عائلة الأسد، مؤكدًا أن الإجراءات تسير بوتيرة سريعة، رغم مطالبة قطاعات واسعة من السوريين بتسريعها بصورة أكبر. وأوضح أن استعجال الشارع السوري يعود إلى كثرة الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت خلال المرحلة السابقة، وإلى معرفة كثير من السوريين بهويات المتورطين فيها، مشيرًا إلى أن بعض المسؤولين عن الجرائم والفساد لم يكونوا يخفون أفعالهم أو هوياتهم.
وأكد أن العدالة الانتقالية في سوريا تُعد، بحسب تقديره، من الأسرع مقارنة بتجارب دولية أخرى، مشيرًا إلى اعتقال الآلاف ومقتل مئات ممن حملوا السلاح، ومشددًا على أن ملف المحاسبة من أبرز القضايا التي يتعين على العهد الجديد تسريع العمل فيها.
وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن القرار السوري بعدم الانخراط عسكريًا في لبنان قد اتُّخذ بشكل حاسم ونهائي، مع تأكيد واضح أن هذا الخيار غير مطروح في أي سياق. كما يبدو حرص الدولة السورية على بناء أفضل العلاقات مع لبنان، القائمة على الاحترام المتبادل والندية والمصالح المشتركة، جليًا في مختلف التصريحات الرسمية، وفي مقدمتها تصريحات الرئيس السوري وسائر المسؤولين. وفي المقابل، تؤكد دمشق ضرورة تجاوز الإرث الثقيل الذي خلّفه النظام السابق في العلاقة بين البلدين، والعمل على إزالة جميع الآثار السلبية التي طبعت تلك المرحلة وأثرت في العلاقات بين الشعبين الجارين، تمهيدًا لمرحلة جديدة أكثر استقرارًا وتوازنًا.