هل أصبحت مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران ملزمة للطرفين وبمثابة اتفاق متكامل ونهائي وفق ما تنص عليه القوانين والأعراف الدولية؟ وما النتائج التي ستفضي إليها هذه المذكرة بعد انقضاء مهلة الستين يوماً؟ وهل بدأ تطبيق بعض بنودها بشكل فعلي؟ ولماذا لم يشمل هذا الاتفاق غزة، لا سيما أن طهران لطالما أعلنت أن القضية الفلسطينية هي شغلها الشاغل وقضيتها الأولى؟ وماذا عن لبنان الذي يشمله هذا التفاهم، خصوصاً مع سقوط وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله بعد ساعات من إعلانه؟
في حوار موسّع تناول التفاهم الأميركي الإيراني وانعكاساته الإقليمية واللبنانية، وملفات غزة والجنوب والمفاوضات بين لبنان وإسرائيل ودور الدولة، أوضح الوزير السابق رشيد درباس أن توقيع المذكرة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يشكّل إعلاناً سياسياً لوقف الحرب، لافتاً إلى أن هذا الإعلان السياسي يفترض أن يتبعه برنامج تفصيلي يتناول موضوعات متعددة.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن هناك أمرين باتا متفقاً عليهما، هما الملف النووي ومضيق هرمز. أما ما تبقى فيتصل بعلاقة إيران بجوارها، وعلاقتها بإسرائيل، وإنهاء السياسات التي تثير قلق دول الجوار، فضلاً عن التفاصيل الاقتصادية.
وأضاف أن تشجيع الولايات المتحدة للاستثمارات في إيران ليس عملاً خيرياً، بل هو عمل اقتصادي مقصود، قد يفتح الباب أمام دخول الولايات المتحدة إلى الاقتصاد الإيراني عبر أموال عربية أو غير عربية، معتبراً أن هذا هو الفارق بين الإعلان والاتفاق النهائي، إذ إن موجة الأنباء الأولى لا تكشف كل التفاصيل التي تظهر لاحقاً.
ورأى درباس أن مذكرة التفاهم باتت ملزمة وأن هناك أموراً باتت قيد التنفيذ، بينها فك الحصار عن إيران، وفتح مضيق هرمز، والتعهد المسبق بعدم اللجوء إلى امتلاك السلاح النووي. وقال إن هذه العناصر الثلاثة تشكّل ركائز الاتفاق ومرجعيته الخطية المتفق عليها بين الطرفين، وفي حال الإخلال ببنودها تصبح المسألة خاضعة لإجراءات أخرى.
ولفت إلى أنه يبدو أن الاتفاق، بعد استكماله، سيتجه إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ قرار بشأنه، بما يجعله ذا مرجعية أممية ودولية أيضاً.
إيران بعد الحرب: التنمية بدل تصدير الثورة
وفي قراءة لنتائج التطورات، رفض درباس مقاربة المسألة من زاوية من ربح ومن خسر، وقال إن ما حدث هو وقائع أفضت إلى نتائج معينة، وإن المسألة تتعلق بمدى قدرة الأطراف على التكيف مع هذه النتائج والاستفادة منها، مشيراً إلى أن الدول العربية تستطيع أن تقول إنه إذا لم يتم نزع الصواريخ الباليستية من إيران، فمن حقها امتلاك صواريخ باليستية، كما قال ترامب، معتبراً أن التهديد الذي كان يخيف سابقاً قد يتحول إلى تهديد متبادل، بما يؤدي إلى إلغاء مفعول التهديدين بعضهما بعضاً.
وأضاف أن من نتائج المرحلة أيضاً أن الدول العربية، التي اعتمدت لفترة طويلة جزئياً على نفسها وأكثر على حلفائها، بات عليها أن تعتمد على نفسها بصورة أكبر. كما رأى أن القيادة الإيرانية التي سارت وفق نظرية تصدير الثورة، والتي كانت مكلفة جداً وعلى حساب الاقتصاد الإيراني ومستوى المعيشة والتضخم، قد تتجه إلى بديل يقوم على التنمية الداخلية. وقال إن التنمية تحتاج إلى مستلزمات وتأمينات، ومن يعمل في التنمية لا يمكنه أن يخوض حرباً في أرضه أو يجلب العدو إليها.
واعتبر أن تخلي القيادة الإيرانية عن فكرة تصدير الثورة والتفاتها إلى التنمية الداخلية، بصرف النظر عن هوية القيادة أو توجهها، يشكل في حد ذاته نوعاً من التطمين والضمانة بأن الحرب لن تتكرر.
وأضاف أن المضائق الدولية يجب ألا تبقى وسيلة من وسائل الضغط السياسي، لأنها تضر باقتصاد العالم، واقتصاد العالم قد يدفع دولاً كثيرة إلى التحالف ضد من يضر به، مشيراً إلى أن هذا النوع من الضرر قد يستمر لفترة، لكنه يصبح أشد صعوبة مع مرور الوقت.
وفي ما يتعلق بالتفاصيل التقنية الخاصة بتخصيب اليورانيوم، قال إن هذه مسائل تعود إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية والعلماء والخبراء النوويين، ولا يعرفها المواطن العادي ولا حتى الرؤساء، مؤكداً أن هذه التفاصيل تبقى ضمن إطار المفاوضات المتخصصة.
غزة خارج التفاهم... والضفة الغربية مؤجلة إلى ما بعد نتنياهو
وعن غياب ذكر غزة في التفاهم، قال درباس إن الإسرائيليين يعتبرون أنهم أنهوا ملف غزة، وإن الرئيس ترامب وضع برنامجاً خاصاً بها، مضيفاً بأسف أن غزة أصبحت خارج التداول، وكذلك الضفة الغربية. لكنه أشار إلى أن الملفين مؤجلان إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، إذ قد تؤدي الحملة الأميركية وما وصفه بالإخفاق الإسرائيلي إلى عدم عودة بنيامين نتنياهو، وإلى وصول حكام يعيدون فتح هذا الموضوع ويتعاملون بجدية أكبر مع القضية.
لبنان في التفاهم: شيك من ترامب مسحوب على بنك إسرائيلي
وفي الشأن اللبناني، قال درباس إنه يوم الإعلان عن إدخال لبنان في التفاهم، سأله أحدهم عن تفسير ذلك، فأجاب بأن الأمر يشبه شيكاً موقعاً من ترامب، لكنه مسحوب على بنك إسرائيلي، فإذا لم يدفع البنك قيمة الشيك بقيت له قيمة ورقية فقط. ووصف ذلك بأنه محاولة لإنقاذ المظاهر.
واعتبر أن من يقرر وقف إطلاق النار هما نتنياهو وترامب، وأن ترامب، بدلاً من أن يقول إنه سيفرض وقف إطلاق النار بالقوة، يرفع منسوب الضغط والتمني، فيما يبقى وقف إطلاق النار رهينة الاتفاق بين إيران وإسرائيل، وبين إيران والولايات المتحدة، وكذلك رهينة اتفاق لبناني ـ إسرائيلي بوساطة أميركية ورعاية عربية.
وأكد أن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مستمرة، وأن الساحة اللبنانية ليست مفصولة تماماً عن الملف الإيراني بسبب وجود حزب الله، إلا أن الوضع تغير عما كان عليه في السابق، حين كانت الساحة اللبنانية بكاملها مرتهنة لقرار حزب الله، وبالتالي لإيران.
ورفض درباس أيضاً توصيف التطورات بمنطق الانتصارات، منتقداً حديث بعض المحللين عن انتصار إيران، وموقف الشيخ نعيم قاسم الذي أعاد تعريف الانتصار بأنه لا يرتبط بالسيطرة على الأرض أو بالخسائر العسكرية. كما انتقد تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف التي قال فيها إن لبنان دفع أربعة أو خمسة أضعاف ما دفعته إيران.
وقال إن الخسائر لا تقتصر على الشهداء المدنيين، إذ لا تزال الأرقام العسكرية غير معروفة، كما أن خسائر حزب الله لم تتضح بالكامل. وأضاف أن الجميع خاسر، إيران ولبنان، متسائلاً عن قيمة بقاء السلاح والبلد في ظل انهيار الاقتصاد والمصارف والتضخم واحتمال الفوضى، مشدداً على أن المطلوب هو الواقعية، أي التعامل مع النتائج الملموسة للأحداث التي وقعت، معتبراً أن هنا يأتي دور الدولة وقيادتها، ومشيداً بأداء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي قال إنه يمسك قيادة السفينة بجدارة.
حزب الله وإسقاط الحكومة: من يريد إسقاطها فليسحب وزراءه
وعن دعوات حزب الله إلى إسقاط الحكومة واللجوء إلى الشارع، أحال درباس الإجابة إلى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، قائلاً إن جعجع صاحب شارع وقارئ شارع، وإنه قال ما يكفي في هذا المجال. وأضاف أن أضعف الإيمان لمن يريد إسقاط الحكومة هو سحب وزرائه منها، متسائلاً كيف تتخذ الحكومة قرارات يصفها الحزب بالشنيعة فيما وزراؤه لا يزالون يشاركون فيها.
وذكر بأن الوزراء الشيعة استقالوا سابقاً، وانضم إليهم وزير أرثوذكسي، فسميت الحكومة حينها حكومة بتراء، معتبراً أن التلويح بالشارع لا يقدم حلاً. وقال إن القضية ليست في مصير حزب الله أو دراجاته النارية، بل في أن يكون البلد آمناً.
رئاسة الحكومة: استضعاف السلطة لا استضعاف السنة فقط
وفي ما يتعلق بما يصفه البعض باستضعاف الطائفة السنية من خلال استهداف رئاسة الحكومة، قال درباس إن رئيس الحكومة لا يمثل السنة فقط، وإن كان يشكل المركز السني الأول في البلاد، بل هو رئيس السلطة ويمثل السلطة، معتبراً أن استضعاف رئاسة الحكومة هو في العمق استضعاف للسلطة والدولة، مشيراً إلى أن من يستهدف السلطة يترك هامشاً لرئيس الجمهورية، فيما يبقى رئيس مجلس النواب بمنأى عن الاستهداف.
ورأى أن السنة انهزموا مع اغتيال رفيق الحريري، وأن الهزيمة تدرجت لاحقاً، فيما حاول سعد الحريري القيام بعملية استنهاض، لكن العقبات التي واجهته كانت أكبر من قدرته، فانتهى إلى الاعتكاف أو أُخرج من الساحة، بحسب تعبيره.
وأكد أن المسألة ليست مسألة سنة فقط، بل إن هناك حالة دولية متنامية، والناس باتت تعرف حاجتها إلى الدولة. وقال إنه إذا كان هناك نزوع حقيقي لدى الطائفة الشيعية، فهو نزوع نحو الدولة، مؤكداً أن الدولة هي الملاذ.
وفي معرض حديثه عن الفيدرالية التي يطرحها بعض المسيحيين، قال إن تحويل كل كانتون إلى طائفة يطرح مشكلة على الشيعة أنفسهم، فهم محاصرون من إسرائيل جنوباً وسوريا شرقاً، مؤكداً أن العقلاء في الطائفة الشيعية لا يريدون السيطرة على الدولة ولا الانفصال عنها، بل يريدون الدولة فقط.
وفي النتيجة، اعتبر درباس أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران تشكل خطوة سياسية أساسية على طريق اتفاق أشمل، مع مؤشرات إلى دخول بعض بنودها حيز التنفيذ، فيما تبقى ملفات رئيسية، كالبرنامج النووي وطبيعة العلاقة مع إسرائيل ودول الجوار، قيد الاستكمال والتفاوض.
أما غزة فتبدو خارج هذا المسار في المرحلة الحالية، بينما يبقى لبنان متأثراً بمفاعيل التفاهم بصورة غير مباشرة، وسط استمرار التوترات الميدانية والتجاذبات الإقليمية التي تحول دون الوصول إلى استقرار نهائي.