June 19, 2026   Beirut  °C
سياسة

يوسف مرتضى: اتفاق جنيف هشّ وقد لا يصمد طويلًا

بعد توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن إلكترونيًا، وتوقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب النسخة الورقية منها خلال وجوده في قصر فرساي، اتجهت الأنظار إلى اجتماع جنيف يوم الجمعة، وسط تساؤلات حول جدية هذا الاتفاق ومدى إمكانية استمراره، لا سيما أنه يبدو مختلفًا عن الاتفاقات السابقة بين الجانبين.

وبالرغم من الترحيب الذي لقيته هذه الخطوة من بعض الأوساط الدولية باعتبارها مدخلًا لاحتواء التصعيد بين الطرفين، فإن المذكرة أثارت، في المقابل، نقاشًا واسعًا حول مضمونها الفعلي، خصوصًا أنها تركت التباسًا بشأن عدد من البنود التي كانت أساسًا في اندلاع المواجهات بين الطرفين.


فهل يشكل هذا الاتفاق بداية مسار تفاوضي جدي بين واشنطن وطهران، أم أنه مجرد تفاهم مؤقت فرضته ظروف الحرب؟ وهل يملك مقومات الصمود والاستمرار، أم أنه سيواجه مصير الاتفاقات السابقة بين الجانبين؟


في هذا السياق، أوضح الكاتب السياسي ومدير مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية، يوسف مرتضى، أن اتفاق الإطار أو مذكرة التفاهم التي وُقّعت إلكترونيًا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والتي يُفترض أن تُوقّع رسميًا يوم الجمعة في جنيف، هي اتفاق ضرورة بالنسبة إلى الفريقين الأميركي والإيراني.


واعتبر، عبر منصة "بالعربي"، أن الولايات المتحدة دخلت في حرب غير محسوبة، إذ كانت تعتقد أن إيران قد تستسلم خلال أيام قليلة بعد القضاء على القيادة الإيرانية في الصفين الأول والثاني، لكنها لم تتوقع أبدًا أن يصل الأمر إلى إغلاق مضيق هرمز. وبالتالي، فإن النتائج لم تكن كما تمناها لا الجانب الأميركي ولا الإسرائيلي.


وأشار مرتضى إلى أن إيران تلقت ضربة كبيرة وموجعة على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية، لكنها لم تستسلم، موضحًا أن هذا الأمر وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام مأزق حقيقي، خصوصًا بعد إغلاق مضيق هرمز وما نتج عنه من أزمة في الاقتصاد العالمي بسبب ارتفاع أسعار النفط، إضافة إلى انعكاس ذلك على الداخل الأميركي من خلال ارتفاع أسعار البنزين والسلع بشكل عام.


وأضاف أن ترامب كان يواجه تحديًا داخليًا مهمًا يتمثل في الانتخابات النصفية، وكان بحاجة إلى مخرج يجنّبه خسارة موقعه السياسي والأغلبية في الكونغرس، ولذلك جاء الاتفاق بوصفه "اتفاق ضرورة"، من دون أن يعني ذلك أن الولايات المتحدة حققت انتصارًا حاسمًا، لكنه منحها مكسبًا ضمن مذكرة تتضمن عناوين عامة حول القضايا التي كانت مطروحة.


وفي المقابل، رأى أن إيران كانت بحاجة إلى هذا الاتفاق تمامًا كما كان ترامب بحاجة إليه، ولكن بصيغة لا تظهر أمام الرأي العام الإيراني وكأنها تعرضت للهزيمة. وأوضح أنها كانت بحاجة، بشكل أساسي، إلى فك الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، لأن إغلاق مضيق هرمز منح الولايات المتحدة فرصة لمحاصرة إيران ومنعها عمليًا من تصدير النفط، ما أدى إلى حالة اختناق حقيقية داخل البلاد، خصوصًا أن الوضع الداخلي كان على حافة الانفجار بعد الضربات التي تلقتها.


ولفت مرتضى إلى أن من شروط الاتفاق البدء برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، ما يسمح لطهران بالعودة إلى تصدير النفط والحصول على عائدات مالية تساعدها على مواجهة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية الداخلية، ولذلك فإن الاتفاق بالنسبة إليها هو أيضًا اتفاق ضرورة.


وحول طبيعة الاتفاق، رأى أنه اتفاق هش، لأن ما ورد فيه لا يزال عبارة عن عناوين عامة، خصوصًا في الملفات الأساسية التي كانت الحرب تهدف إلى معالجتها. وأشار إلى أن ملف البرنامج النووي جاء بصيغة ملتبسة، فيما لم يُذكر ملف الصواريخ الباليستية بشكل واضح، أما ملف الأذرع الإيرانية فجاء أيضًا بطريقة ملتبسة، مع تركيز خاص على لبنان.


وأضاف مرتضى أن البند الأول المتعلق بإنهاء الحرب يمكن قراءته باعتباره بداية لإعادة تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بعد 47 عامًا من العداء منذ الثورة الإسلامية عام 1979، مشيرًا إلى أن مرحلة الشعارات التي رفعتها الثورة الإيرانية، ومنها "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل"، دخلت مرحلة جديدة، وأن إيران انتقلت من مشروع الثورة إلى منطق الدولة.


واعتبر أن سقوط النظام السوري شكّل ضربة أساسية للمشروع الإيراني في المنطقة، لأن سوريا كانت تمثل العمود الفقري للتمدد الإيراني، مشيرًا إلى أن مشروع بناء النفوذ الإيراني تلقى ضربة كبيرة، وأن إيران باتت أمام مرحلة مختلفة.


كما أشار إلى أن الاتفاق لم يتضمن أي إشارة إلى فلسطين أو غزة، معتبرًا أن ذلك يكشف، بحسب قراءته، أن اهتمام إيران الأساسي كان مرتبطًا بالأذرع والنفوذ وتحسين شروط التفاوض مع الغرب، وليس بالشعارات التي كانت ترفعها حول تحرير فلسطين.


وفي ما يتعلق بمدى قدرة الاتفاق على تحقيق أهدافه وإنهاء الحرب، قال إنه يشك في إمكانية أن يؤدي سريعًا إلى تحقيق الأهداف المعلنة، لأن المذكرة تتضمن فترة 60 يومًا قابلة للتمديد لاستمرار الحوار. ولفت إلى أن هذه المهلة قد تمتد إلى 90 أو 120 يومًا، وأن إطالة أمد المفاوضات قد تكون مصلحة مشتركة للطرفين؛ فترامب يحتاج إلى استمرار وقف الحرب وعدم العودة إلى التصعيد، فيما تحتاج إيران إلى استمرار الهدوء وفتح المجال أمامها لتصدير النفط.


وتابع مرتضى أن استمرار المفاوضات من دون الإفراج عن الأموال أو رفع العقوبات بشكل كامل قد ينعكس على الداخل الإيراني، إذ قد يعود الشارع الإيراني إلى التحرك، خصوصًا أن المعارضة ستجد في ذلك فرصة للقول إن النظام أمضى 47 عامًا في الثورة والتمدد الخارجي، لكنه لم ينجح في بناء الدولة وتحسين حياة الإيرانيين.


وفي المقابل، توقع مرتضى أن يواجه الاتفاق اعتراضًا إسرائيليًا، لأن إسرائيل لم تحقق حتى الآن ما كانت تسعى إليه في ملفي البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، مشيرًا إلى أنها قد تحاول التأثير في مسار الاتفاق أو تعطيله.


أما بالنسبة إلى لبنان، فأوضح أن الاتفاق مهم جدًا، خصوصًا أن المذكرة أكدت وقف الحرب على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان. وأشار إلى أن بند الحفاظ على سلامة الأراضي اللبنانية وسيادة لبنان يمكن قراءته بأكثر من طريقة، لافتًا إلى أن الفريق المؤيد لإيران قد يقرأ هذا البند على أنه تأكيد للضغط باتجاه انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، فيما قد يراه الفريق الآخر تأكيدًا على سيادة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح بيدها.


وأضاف أن هذا الاتفاق قد يساعد لبنان في مفاوضاته مع إسرائيل إذا نجحت الولايات المتحدة في الضغط لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع الخروقات البرية والجوية والبحرية، لأن ذلك يمنح المفاوض اللبناني موقفًا أقوى للمطالبة بالانسحاب الإسرائيلي حتى الحدود الدولية والعودة إلى اتفاق الهدنة.


وأشار إلى أن حصرية السلاح بيد الدولة وتنفيذ قرار الحكومة اللبنانية سيكونان عنصرين أساسيين في المرحلة المقبلة، معتبرًا أن انتهاء المشروع الإقليمي الإيراني قد يدفع طهران إلى التعامل مع لبنان من منطلق الدولة لا منطق الأذرع.


وفي ختام حديثه، حذّر مرتضى من كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول دور سوريا في مواجهة حزب الله، معتبرًا أن هذا الطرح خطير لأنه قد يخدم حزب الله وإسرائيل في آن واحد. وأوضح أن مثل هذا الخطاب قد يمنح حزب الله فرصة لإعادة شد العصب داخل بيئته عبر التخويف من مواجهة سنية - شيعية، كما قد تستفيد إسرائيل من أي انقسامات داخلية، داعيًا إلى تنبّه لبناني ودولي من الوقوع في هذا الفخ.


وفي النهاية، وعلى الرغم من إبداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب حماسة كبيرة لتوقيع هذا الاتفاق، فإن مهلة الستين يومًا قد تحمل تطورات غير متوقعة، خصوصًا أن ترامب معروف بتبدل مواقفه، ما يجعل مصير الاتفاق مرتبطًا بمدى قدرة الطرفين على الانتقال من مرحلة التفاهم إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.