بعد سنوات من فرض العقوبات الاقتصادية على إيران وأشهر من التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران، جاء الاتفاق بين الطرفين ليبشر بإمكان البدء برفع هذه العقوبات تدريجيا، ما أثار الكثير من التساؤلات حول إمكان تعويم النظام الإيراني لإعادة ترتيب أوضاعه البنيوية والعسكرية.
هذه التطورات أثارت الجدل حول مصير المعارضة الإيرانية، التي ترى أن أي انفتاح سياسي أو اقتصادي غير مشروط قد يمنح النظام فرصة لالتقاط أنفاسه واستعادة جزء من قدرته على مواجهة أزماته الداخلية، في وقت بدأ فيه الحديث عن تحركات محتملة للمعارضة والقوى المناهضة للنظام داخل إيران لمنع إعادة تعويمه، خصوصا في حال رفع العقوبات تدريجيا.
في هذا الصدد، أوضح عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية موسى أفشار أنه ينبغي أولا التمييز بين وقف الحرب وبين تعويم النظام، مشيرا إلى أن المقاومة الإيرانية رحبت بوضوح بأي تفاهم يوقف الحرب وينهي معاناة الشعب الإيراني، الذي يدفع ثمن الحروب والمغامرات، ولكن هذا الترحيب، وفقا لرأيه، لا يعني إعطاء شرعية جديدة للنظام، ولا يعني القبول بإعادة إنتاجه سياسيا أو اقتصاديا.
وبيّن عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مريم رجوي شرحت بأن المشكلة ليست في اتفاق يوقف إطلاق النار، بل في طبيعة نظام ولاية الفقيه نفسه، الذي جعل من القمع في الداخل، وتصدير الإرهاب، وإشعال الحروب، والسعي إلى امتلاك القنبلة الذرية، ركائز لبقائه، معتبرا أن أي تخفيف للعقوبات، إذا لم يرتبط بوقف الإعدامات والقمع ودعم حق الشعب الإيراني في التغيير، قد يتحول إلى أداة لإطالة عمر الدكتاتورية.
وأوضح أفشار أن التحرك الحقيقي داخل إيران ضد تعويم النظام يحصل عبر المجتمع نفسه، عبر الاحتجاجات، والعمال، والطلاب، والنساء، والمتقاعدين، ووحدات المقاومة، مؤكدا أن هذه القوة لا تنتظر نتائج المفاوضات لكي تتحرك، لأنها تنطلق من واقع داخلي عميق: الفقر، البطالة، الفساد، الإعدامات، وانهيار الثقة بين الشعب والسلطة.
ولفت إلى أن صحف النظام نفسها تعترف اليوم بأن التفاهم مع الولايات المتحدة فتح صراعا جديدا داخل الحكم، بين من يريد استخدامه لتثبيت النظام ومن يراه تراجعا أيديولوجيا خطيرا، وهذا يعني، بحسب رأيه، أن الاتفاق لا يحل أزمة النظام، بل يكشفها، مشيرا إلى أن هناك قسما يسعى إلى السيطرة على الأزمة وإعادة ترتيب السلطة، وقسما آخر يخاف من أن يؤدي أي تراجع إلى انهيار القاعدة الأيديولوجية للنظام.
ورأى أفشار أن الأمر المهم اليوم هو أن الشعب الإيراني لا يرى في رفع العقوبات وحده حلا، مشددا على أن التجربة أثبتت أن الأموال التي حصل عليها النظام في مراحل سابقة لم تذهب إلى تحسين حياة الناس، بل إلى الحرس، وأجهزة القمع، والميليشيات، والمشاريع النووية والصاروخية. واعتبر أن معيار أي سياسة دولية يجب أن يكون واضحا: هل تساعد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، أم تمنح النظام أوكسجينا جديدا؟
وقال إن الخطر الأكبر ليس أن يوقع النظام تفاهمات خارجية، بل أن تستخدم بعض القوى الدولية هذه التفاهمات لتجاهل الشعب الإيراني، لافتا إلى أن المطلوب ليس حربا خارجية ولا مساومة مع الدكتاتورية، بل الاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاط هذا النظام ودعم بديله الديمقراطي.
وأكد أفشار أن منع تعويم النظام لا يتم بالشعارات، بل بسياسة واضحة: وقف الإعدامات، الافراج عن السجناء السياسيين، محاسبة قادة القمع، وعدم تسليم موارد مالية للنظام من دون شروط صارمة، مشددا على أن وقف الحرب خطوة إيجابية، لكن السلام الحقيقي يبدأ عندما ترفع يد الجلاد عن الشعب، وعندما يعترف بأن مستقبل إيران لا يحدده المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أو أجنحة النظام، بل الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة من أجل جمهورية ديمقراطية تفصل الدين عن الدولة.
وعليه، يبدو أن المعارضة الإيرانية تتمسك بمواصلة تحركاتها داخل البلاد، انطلاقا من قناعتها بأن أي انفراج خارجي لا يرافقه تغيير داخلي قد يمنح النظام فرصة جديدة لاستعادة قوته وقمع شعبه، فيما يبقى رهانها على ما قد تفرضه بنود هذا التفاهم في الأيام المقبلة.